فهرس الكتاب
فحين زاد الطغيان عن الحد المحتمل، أو قل حين دب الوعي بالطغيان في نفوس الأوربيين بعد احتكاكهم بالإسلام، حاولوا الانسلاخ من نفوذ ذلك الغول البشع الذي يفسد عليهم حياتهم، فاستقلوا بادئ ذي بدء في كنائس - أي مذاهب - لا تخضع لنفوذ البابا، وانتهى الأمر إلى أن تصبح تلك السلخ المنسلخة قوميات ووطنيات ..
ثم قامت بينها الحروب التي كادت تعصف بكيان أوربا، لولا تزامن أمرين اثنين على الأقل أعطيا تلك القوميات قوة ورسوخا ظن الأوربيون أنهما من طبيعة القومية والوطنية فزاد تمسكهم بهما، حتى أدركوا أخيرا مقدار الشر الكامن فيهما، فأخذوا يحاولون التجمع تحت رايات جديدة تذيب حواجز القومية والوطنية، وتجمّع أوربا في وحدة شاملة [1] ..
أما الأمران اللذان أعطيا القوميات قوة - لفترة من الزمن - فأولهما الثورة الصناعية، وثانيهما ضعف العالم الإسلامي!
الأول حفز كل قومية أن تنافس الأخرى بالقوة الاقتصادية الناجمة عن الصناعة، والثاني جعل القوميات الأوربية تكف - مؤقتا - عن قتال بعضها البعض، وتتجه إلى غزو العالم الإسلامي، ونهب خيراته ..
وكان من همّ الغزو الصليبي للعالم الإسلامي أن يفتته لقيمات صغيرة ليستطيع ابتلاعه، فزين للأمة - وهي في التيه - أن تلقي رداءها ذا النسيج الفذ، وتتزيا بتلك الأثواب الرديئة النسيج، المزركشة الألوان ..
ولما فعلت ذلك تم المطلوب! وازدرد الغرب الصليبي فريسته، بعد أن ساعدته على نفسها، بتحويل نفسها إلى فتات!
لم تكن قضايا السياسة وحدها هي التي فسدت وأفسدت الأمة في مرحلة التيه ..
فقد كانت تنحية الشريعة شرًا شاملًا، شمل من حياة الأمة كل شيء، وأفسد من حياتها كل شيء ..
لقد أفسدت بادئ ذي بدء عقائد الناس وتصوراتهم عن"الدين".
فالدين - كما نزل من عند الله - عقيدة وشعيرة وشريعة .. دين ودولة .. ومنهاج حياة [2] .
ولكن الناس - في التيه - فقدوا ذلك التصور الواضح، وتشربوا بدلا منه المفهوم الغربي الكنسي، الذي يفصل الدين عن الدولة، ويصور الدين علاقة بين العبد والرب محلها القلب، ولا علاقة لها بواقع الحياة!
فقدوا الإحساس بمعنى قوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [3] .
وقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [4] .
وقوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ) ؟ [5] .
(1) كانت آخر محاولاتهم هي"السوق الأوربية المشتركة"
(2) اقرأ - إن شئت - كتاب"لا إله إلا الله عقيدة وشريعة ومنهاج حياة"
(3) سورة النساء: 65.
(4) سورة المائدة: 44
(5) سورة الشورى: 21.