فهرس الكتاب
وهم يتلون ذلك كله في كتاب الله، ولكنه لا يصل إلى أفئدتهم - في التيه - إلا أصداء بعيدة غير ذات مدلول ..
وصحيح أن مفهوم"الدين"ومفهوم"لا إله إلا الله"ومفهوم"العبادة"كان كله قد انحسر في نفوس المسلمين قبل مجئ الغزو الصليبي، وهزيمة الجيوش الإسلامية أمامه. ولكن الانحسار كان قد توقف عند آخر حاجزين لم يكن يمكن - في حس المسلمين - أن يحدث التراجع عنهما وهما الصلاة وتحكيم شريعة الله. فقد يتهاونون في كل شيء، ويغضون الطرف عن أي مخالفة، ولكن يبقى في حسهم أن المسلم يصلي، ولا يمكن أن يكون مسلما إذا ترك الصلاة، ويتحاكم إلى شريعة الله، ولا يمكن أن يكون مسلما إذا تحاكم إلى غير شريعة الله ..
ولكنهم - في التيه - تراجعوا عن كلا الحاجزين في وهلة الانبهار! تراجعوا أولا عن الشريعة، ثم تراجعوا عن الصلاة!
وأسرع الطبالون والزمارون يزينون للأمة ما فعلت، ويقولون لها في الخطوة الأولى: لا بأس عليكم من عدم تحكيم شريعة الله، فتلك مسألة خاضعة"للتطور"! وما دمتم تصلون وتصومون فأنتم مسلمون! ثم زينوا لهم - كما سيأتي بيانه - أن يتركوا الصلاة والصوم وسائر الشعائر التعبدية، ثم قالوا لهم: لا بأس عليكم وإن لم تصلوا ولا تصوموا .. فما دمتم تقولون لا إله إلا الله، فأنتم مسلمون!!
ووقعت الأمة في الفتنة من جانبين .. جانب الطبالين والزمارين - دعاة الغزو الفكري - وجانب علماء السوء، عبيد السلطان.
فأما الطبالون والزمارون فقد قالوا للأمة: لقد كنتم تطبقون الشريعة وتقيمون الشعائر وتملئون المساجد فماذا أصابكم من ذلك كله إلا الضعف والتأخر والخذلان أمام الغرب؟ وها هو ذا الغرب لا يحكّم شريعتكم الجامدة! إنما يحتكم إلى قانون متطور مواكب للأحداث، وها هو ذا لا يصلي مثلكم ولا يصوم .. فأين هو وأين أنتم؟ هو في القمة وأنتم في الحضيض! فدعكم من تلك الأغلال التي كانت تكبلكم .. وانطلقوا .. انطلقوا إلى الحضارة والقوة والرقي والتقدم!
وأما علماء السوء فقد اتكئوا على الفكر الإرجائي: من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن، ولو لم يعمل عملا واحدا من أعمال الإسلام!! ربكم رب قلوب! ما دام قلبك عامرا بالإيمان فلا يهمك شيء .. ولا يضر مع الإيمان معصية!
وتلاقت الفتنة من هنا ومن هناك .. واندفعت الأمة في التيه!
فأما"الطيبون"فقد ظلت عواطفهم مع الإسلام، ومع كتاب الله، ولكنهم جلسوا يتحسرون على الأيام الفائتة، ويقولون لأنفسهم: ما حيلتنا؟ لقد تغير الزمان! ولم يعد في الوسع الرجوع إلى ما كان!
وأما العملاء فقد فركوا أيديهم سرورا بتخلص البلاد من عدو أسيادهم الذين يدينون هم لهم بالولاء!
وأما جموع أخرى من الناس فقد وقفوا حائرين: هل من المعقول أن يكون هؤلاء"الإفرنج"الراقون المتحضرون المتقدمون الذين نجلس نحن عند أقدامهم - إن سمحوا لنا أن نجلس هناك - هل من المعقول أن ينطبق عليهم ما جاء من وصفٍ في القرآن: أنهم الخاسرون .. أنهم الضالون .. أنهم هم الصم الذين لا يسمعون، العمي الذين لا يبصرون؟!
وي!
ومن الرابح إذن ومن المهتدي .. ومن المفتوح البصر والبصيرة، الواصل إلى جوهر المعرفة وعلم اليقين؟!