فهرس الكتاب
فحين قامت الثورة الصناعية في أوربا - وكانت في حاجة إلى المال لتمويل مشروعاتها - لم يكن هناك من يملك المال المطلوب إلا أمراء الإقطاع والمرابين اليهود .. وقد أحجم أمراء الإقطاع عن تمويل الحركة الصناعية لأكثر من سبب، فتقدم المرابون اليهود لعملية التمويل ولعابهم يسيل! فقد أتيحت لهم فرصة"ذهبية"لتشغيل أموالهم بالربا على نطاق واسع. فهم لم يكونوا يشاركون بالمال الذي في أيديهم في المشروعات الصناعية - وقد كان كثير منها يخسر في مبدأ قيام الثورة الصناعية لإحجام كثير من الناس عن استخدام ما تنتجه الآلة، كما كانت طرق المواصلات غير ممهدة، وكان التخطيط شبه معدوم، والإعلان عن المنتجات غير متوفر - إنما كانوا يقرضون المال بالربا .. وسواء كسب المقترض أم خسر، فهم في مأمن من الخسارة بما يفرضون من ربا مقابل إقراض المال .. وحتى ذلك المال لم يكن كله مالهم الخاص! فقد كان كثير منه من الودائع التي تعوّد الناس في أوربا أن يودعوها عند اليهود. وهكذا ولدت فكرة البنك الذي يأخذ ودائع المودعين فيقرضها للمقترضين مقابل جعل ربوي يفرض عليهم، ويعطى صاحب الوديعة جانبا من الفائدة على وديعته، ويأخذ البنك - أي أصحابه اليهود - بقية"الفوائد"ربحا خالصا مقابل لا شيء! أي مالا حراما لا يحله الله:
(الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) [1] .
وأما أن الاقتصاد"الحديث"لا يصلح بغير الربا ففرية يهودية، أطلقها اليهود وروّجوها ليضمنوا لأنفسهم السيطرة المستمرة على عالم الاقتصاد - الذي يسيطرون عن طريقه على حياة الأمميين السياسية والاجتماعية والأخلاقية والفكرية والإعلامية، ويستحمرونهم به لحسابهم الخاص - وعقلاء الغرب أنفسهم بدءوا يرون بأعينهم ويلات الربا، ويفكرون في منهج بديل.
ولكن الأمة الإسلامية - في التيه - لم تكن تجرؤ حتى أن تحدث نفسها في سريرتها بأن الغرب يمكن أن يخطئ! إنما المخطئ من يخالف الغرب! وعلى المخالف أن يصحح موقفه ليتناسق مع"الأمر الواقع"أو"مع الرأي العام العالمي"أو مع"مقتضيات الحياة الحديثة"أو مع ما يكون من المسميات!
وقام"المفتي"يحلل الربا"البسيط".. ربا"صندوق البريد".. بحجة أن المحرم هو"الأضعاف المضاعفة"وليس أصل الربا! وقام غيره يحلل ربا السندات التي تصدرها الدولة، بحجة أن الدولة لا ينطبق عليها ما ينطبق على الأفراد!! وقام غيره وغيره وغيره .. وقام آخرون - في التيه - ينادون علانية بوجوب تنحية الشريعة من أجل التقدم الاقتصادي الذي تتحقق به"مصلحة"الشعوب!
وتغيرت الحياة الاجتماعية ..
تفككت روابط الأسرة ..
وأصبحت"الأسرة الكبيرة"عيبا يتندر به"المثقفون"!
ذلك أن"المثقفين"قرءوا فيما قرءوا عن حياة الغرب أن الأسرة الكبيرة التي تشمل الأجداد والأحفاد إلى جانب الآباء والأبناء كانت سمة من سمات المجتمع الزراعي - الذي يوصف دائما بأنه مجتمع متخلف - أما المجتمع الصناعي - الذي يوصف دائما بأنه المجتمع المتطور - فقد ذابت فيه الأسرة
(1) سورة البقرة: 275 - 276.