فهرس الكتاب
الكبيرة، وصارت الأسرة تقتصر على الأب والأم والأولاد .. وحتى الأولاد فإلى سن معينة ثم ينفصلون عن آبائهم، ويؤسسون لأنفسهم حياتهم الخاصة، ولو لم يتزوجوا ويكوّنوا أسرة .. فهذا أمر آخر! إنما المهم هو الاستقلال الاقتصادي الذي يصحبه الانفصال عن الأبوين!
يا له من تقدم!
وإذا كنا نحن بعواطفنا"الشرقية"لا نتحمل هذه الجرعة الكبيرة من التقدم الحضاري، فلنقتصر على إخراج الأجداد والأحفاد من نطاق الأسرة .. ولتظل الأسرة هي الأب والأم والأولاد، إلى أن يتزوجوا ويكوّنوا أسرهم الخاصة، ولنترك الأسرة الكبيرة لسكان الريف، بحكم أنهم مجتمع زراعي متخلف، لا يرجى له أن يتحضر من قريب!
أما الروابط الأسرية الموروثة التي كان منبعها تعاليم الدين فقد آن لها أن تتغير، لأن الدين لم يعد في هذا العصر مصدر التوجيه. لقد صارت العلاقات الاقتصادية هي محور الحياة"الحديثة" (يقولها قائلها مفتخرا بأنه نال شيئا من"الحداثة"ولو بلمس اليد من بعيد!) وصارت هي التي تقرر للناس روابطهم [1] ، فإذا تعارضت معها تعاليم الدين، فتعاليم الدين هي التي ينبغي أن تتنحى .. لأنها نزلت في جو آخر، ولقوم آخرين .. ولم يعدلها مجال في عالمنا المتطور الحديث ..
وانفك رباط الناس بالبيت ..
لقد كان البيت المسلم هو"المجتمع"الصغير الذي ينشأ فيه الصغار ويرتبطون بالكبار، يرتبطون رباط الأبناء بآبائهم، ورباط القيم والأخلاق والتقاليد، ورباط الألفة والمودة، ورباط الاستقرار النفسي والعاطفي، وكلها معانٍ - كانت - مستمدة من الدين ..
(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [2] .
(وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) [3] .
ولكن الأحوال تغيرت ..
أصبحت هناك - في الخارج - جواذب تجذب الناس إلى خارج البيت ..
هناك المقاهي .. يمكن أن يسهر فيها الناس إلى منتصف الليل، يلعبون النرد، أو يلعبون الورق، أو يشربون"الشيشة"، أو يثرثرون في شتى الأحاديث التي كان مكانها من قبل زيارات الناس بعضهم لبعض في البيوت ..
وتلك المقاهي هي على أي حال"للأتقياء"من الناس!
أما غير الأتقياء فلهم أماكن أخرى - كثيرة - يسهرون فيها خارج البيت ..
أمامهم البارات والحانات .. وقد سارع الغازي الصليبي بعد تنحية الشريعة إلى إعطاء تصاريح رسمية ببيع الخمر، وإيجاد أماكن مرخص بها يجلس الناس فيها ليحتسوا الخمر علانية .. وكتب عليها أن تقدم"المشروبات الروحية"! [4] لروادها! وأمامهم المسارح والمراقص ودور اللهو ..
(1) قد يلاحظ أن هذه المقولة هي مقولة التفسير المادي للتاريخ، ولكن التفسير المادي للتاريخ ليس خاصا بالفكر الشيوعي كما قد يظن البعض. إنما هو فكر أوربا كلها في عصرها الحديث بتأثير اليهود فيها.
(2) سورة الروم: 21.
(3) سورة الإسراء: 23 - 24.
(4) هذه ترجمة لكلمة Spiritual في الإنجليزية وهي لفظة مزدوجة المعنى، فهي إما أن تعني الروحية أو الكحولية، ولكن المغالطة واضحة في وصف الخمر بأنها روحية!!