فهرس الكتاب
وكان من الوسائل كما يقول الجبرتي - الذي أرخ تأريخا تفصيليا للحملة -"بغايا الحملة".. أولئك الساقطات اللواتي يسرن حاسرات في الشوارع، متهتكات متخلعات، لإغراء النساء المسلمات"بالتحرر" [1] .
وكان من الوسائل كذلك إثارة النعرة الفرعونية عن طريق التنقيب عن آثار الفراعنة، وإبرازها، وبث الاهتمام بها.
وهذه الأخيرة يحسب بعض الناس أنها بريئة! وأنها قضية"علمية"بحتة!
ولكن مستشرقا صريحا قال في كتاب"الشرق الأدنى مجتمعه وثقافته" [2] : إننا في كل بلد إسلامي دخلناه، نبشنا الأرض لنستخرج حضارات ما قبل الإسلام. ولسنا نطمع بطبيعة الحال أن يرتد المسلم إلى عقائد ما قبل الإسلام، ولكن يكفينا تذبذب ولائه بين الإسلام وبين تلك الحضارات!
فما الفرعونية؟
إنها تشتمل - ولا شك - على تقدم علمي وفني وتكنولوجي بارز .. ولكن ما وزنها في النهاية، وما وصفها في كتاب الله؟
إنها جاهلية .. إحدى جاهليات التاريخ الوثنية الحائدة عن الطريق، المجافية للهدي الرباني، المستحقة لغضب الله:
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ .. ) [3] .
إنها عبادة الفرعون، وعبادة الأصنام من دون الله ..
وهي جاهلية تاب الله على أهل مصر منها حين دخلوا في النصرانية أول مرة، ثم تاب عليهم التوبة الكبرى حين دخلوا في الإسلام، لما جاءهم الإسلام.
فما إثارتها في حياتهم من جديد، إلا - كما قال ذلك المستشرق - لذبذبة ولائهم بين الإسلام وبين"حضارة"ما قبل الإسلام، لتسهيل انزلاقهم في النهاية بعيدًا عن الإسلام!
لقد كانت الحملة الفرنسية على مصر هي رأس عملية"التغريب"، أو عملية"التخريب"المقصود لإبعاد مصر عن الإسلام، بل عن العروبة كذلك، فأين مواطن الخير المزعوم الذي انهمر على مصر انهمارا بواسطة الحملة الفرنسية؟!
اليقظة من الغفوة؟
نعم .. ولكن مع تقطيع أوصال الأمة بإبعادها التدريجي عن تراثها ودينها وأخلاقها وتقاليدها وذاتيتها، ولىّ عنقها نحو الغرب ليتوغل الغزو الفكري في جنباتها، وتغرق في تبعية للغرب لا يُعْلَمُ لها قرار ..
أما اليقظة السليمة الصحيحة فقد كانت وشيكة دون تدخل الحملة الصليبية، فقد كانت حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هي البشير الحقيقي بيقظة الأمة من غفوتها، ومعاودة السير في الطريق ..
ولكن السيارة دهمت النائم فأيقظته .. نعم .. ولكنها قذفته بعيدا عن الطريق.
(1) انظر الجزء الثاني من كتاب"عجائب الآثار"للجبرتي (طبع القاهرة) صفحات 231،244 - 245، 251، 272 - 273، 302، 436 - 437.
(2) انظر كتاب Near East: Culture and Society ، جمع وإشراف T . Cuyler) ت: كويلر) الترجمة العربية من منشورات"الألف كتاب"بالقاهرة.
(3) سورة الفجر: 6 - 13.