فهرس الكتاب
كان مهملا من قبل، وأهمل النصف الذي كان بارزا من قبل، فارتكب نفس الجرم الذي عابه على غريمه من قبل، ووقع الافتئات في الحالين على كيان"الإنسان".
ولقد كانت الحياة قد ركدت وأسنت في بلاد العالم الإسلامي، بما غشّى العقيدة من أمراض وانحرافات، وبما اعترى السلوك من تفلت متزايد من مقتضيات لا إله إلا الله.
وكان الأمر في حاجة إلى من يعيد الحيوية والنشاط للأمة لتستيقظ من غفوتها وتنطلق من جديد .. فكانت في حاجة إلى العالم الرباني، المجدد المجاهد، الذي يمسح آثار الفكر الإرجائي والفكر الصوفي، والتفلت من التكاليف، والكسل والتراخي، ويعيد إلى عقيدة الإيمان بالغيب حيويتها وصفاءها وإيجابيتها بإزالة ما علق بها من خرافة وتواكل وسلبية وتعلق بالخوارق، كما يعيد الصفاء والحيوية والإيجابية إلى التعامل مع عالم الشهادة بإزالة ما علق به من كسل وتراخٍ وقعود عن الأخذ بالأسباب، فتعود للأمة انطلاقتها السوية المتكاملة المتوازنة التي صنعت بها من قبل ما صنعت من الأعاجيب، من نشرٍ لعقيدة التوحيد في أرجاء الأرض، وإنشاء حركة علمية فذة، وحركة حضارية فريدة في التاريخ ..
ولكن الأمة - في التيه - جنحت إلى النموذج الغربي المختل، دون أن تفطن إلى ما فيه من اختلال، ودون أن تدرك في الوقت ذاته أن الذي وقع في أوربا في ذلك الخلل هو دينها المحرف وكنيستها التي طغت بذلك الدين، وأنها لم تكن تملك دينا صحيحا ترجع إليه لتصحيح مسارها حين تنحرف عن الطريق.
وفي تلك المناسبة قالوا إن الحملة الفرنسية على مصر كانت مفتاح الخير لها وللمنطقة كلها من حولها، وأنها كانت باعث"النهضة"التي بعثت"النور"و"الحركة"في الظلام الراكد الذي كان يلف العالم الإسلامي كله!
وأما أن الحملة الفرنسية أيقظت مصر من سباتها وحرّكتها فحق لا شك فيه .. وأما أنها"نوّرتها"فأمر أقل ما يقال فيه أنه يحتاج إلى مراجعة شديدة!
لو أن إنسانا نائما في الطريق دهمته سيارة فخلعت بعض أوصاله، وكسّرت بعض عظامه، ولوت عنقه بحيث لم يعد يستطيع أن يحرك رأسه إلا في اتجاه معين .. فماذا يقال عندئذ؟!
إما أن السيارة أيقظته وحرّكته من مكانه فذلك أمر مؤكد!
وإما أنها نوّرته ورشّدته وهدته إلى الطريق السوي فأمر يفتقر إلى الدليل!
لقد كانت عناية الصليبية مركزة على نقطتين بعينهما في العالم الإسلامي: اسطنبول والقاهرة. اسطنبول مركز الخلافة، أي مركز القوتين الحربية والسياسية، والقاهرة مركز الإشعاع الروحي والثقافي للعالم الإسلامي، المنبعث من الأزهر، وما فيه من علوم دينية، وعناية باللغة العربية، لغة القرآن.
وكانت عناية الصليبية بهذين المركزين تهدف إلى تقويض أركان الإسلام فيهما أولا، فيسهل تقويض أركان الإسلام في كل الأرض الإسلامية بعد ذلك. وبالنسبة لمصر كانت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون هي بداية التحرك الصليبي لمحاولة القضاء على الإسلام في مركز الإشعاع الروحي والثقافي [1] .
وكان من بين وسائل الحملة محاولة إحلال"قانون نابليون"بالتدريج محل الشريعة الإسلامية في صورة"أوامر"صادرة من"سر عسكر"نابليون بونابرت، في منشورات متلاحقة.
(1) في نفس الوقت أو قبله بقليل كان هناك تحرك موجه إلى دولة الخلافة، ومحاولات للتنصير والتغريب، تراجع في كتب التاريخ التي تتناول فترة حكم السلطان مراد الثالث، واتجاهه إلى"تحديث"دولة الخلافة.