فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 879

أجل استغلال ذلك في عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني - وذلك ميدان العلوم سواء منها النظرية والتجريبية - والتعرف على الوحي الرباني لإدراك مراميه، لإدارة الحياة بمقتضاه - وتلك هي العلوم الشرعية بما فيها الفقه والأصول وعلوم القرآن وعلوم الحديث - والتعرف على السنن الربانية التي تحكم الحياة البشرية، من أجل إقامة الحياة متناسقة مع تلك السنن غير حائدة عن مقتضياتها - وذلك علم الاجتماع - والتعرف على التاريخ البشري الذي هو مقتضى تعامل البشر مع تلك السنن خلال ما مر من الزمان، للاعتبار به في حاضر الأمر ومستقبله - وذلك علم التاريخ - ثم أي علم بعد ذلك ينفع الإنسان في حياته الدنيا وفي الآخرة ..

وذلك هو"التنوير"الحق، النابع من الإيمان بعالم الغيب وعالم الشهادة، والذي يعمل فيه العقل مهتديا بالهدي الرباني فلا يشطح ولا يضل ..

ولكن الأمة - في التيه - لم تدرك ذلك .. ولم تدرك أن"التنوير"على المنهج الغربي كانت له أسبابه المحلية البحتة في أوربا، وكانت له نتائجه المغرقة في السوء ..

لقد كانت"عقلانية"الغرب رد فعل لحجر الكنيسة على العقل عشرة قرون متوالية على الأقل هي ما سموه في تاريخهم"القرون الوسطى المظلمة"وقد كانت مظلمة حقا، ولكن لا بسبب"الدين"كما تصورت أوربا في أثناء هروبها من طاغوت الكنيسة، وإنما بسبب"ذلك الدين"الذي اعتنقته أوربا محرفا لا تسيغه العقول، فقررت الكنيسة أن تحجر على العقول لكي لا تكشف زيفه ومتناقضاته، فقالت للناس آمنوا ولا تناقشوا.

فلما احتكت أوربا بالمسلمين، ورأت أنهم"يفكرون"وأن لهم نتاجا فكريا يملأ مئات الكتب بل ألوفها، هفت نفوسهم"للتفكير"فاتهمتهم الكنيسة بالزيغ والهرطقة، فكان رد الفعل المتحدي لطغيان الكنيسة هو نبذ الدين كله، وإعمال العقل بدلا من الدين، وهدم ما أسموه"خرافة الميتافيزيقا"، والاعتماد في كل شيء على مقولة العقل، سواء كان مما يدخل في طوق العقل إدراكه أو لا يدخل، وسواء كان مما يحل للبشر أن يختاروا فيه بعقولهم أو لا يحل!

وقد"تنورت"أوربا ولا شك في مجال العلوم - حين أخذت عن المسلمين المنهج التجريبي في البحث العلمي - ونبذت خرافات الكنيسة"العلمية"التي كانت تفرضها على الناس باسم الدين! ولكنها ضلت ضلالا شديدا فيما أسمته"العلوم الإنسانية"- أي العلوم التي يؤخذ العلم فيها من الإنسان لا من مقولات الدين - فأوصلها ضلالها إلى الإيمان بحيوانية الإنسان وماديته، وإلغاء القيم العليا، وتطبيق قانون الغاب: القوي يأكل الضعيف أو يزيحه من الطريق، بصرف النظر عن الحل والحرمة، وبصرف النظر عن كون القوي صاحب حق أم صاحب باطل .. وثمرته ما يجري اليوم على الساحة الدولية من ظلم وحشي، فضلا عن القلق والجنون والانتحار والخمر والمخدرات والجريمة داخل المجتمع الغربي"المتنور"!

ولقد كانت"الميتافيزيقا"عندهم ضلالا صارفا عن الحق، وصارفا عن العمل في واقع الأرض، لا لأنها في ذاتها"غيبيات". فالغيب حقيقة. ولكن لأن الفكر الكنسي اللاهوتي صبغها بصبغته فأفسدها كما أفسد الدين كله. وكان التنوير الصحيح يقتضي الإيمان بعالم الغيب على بصيرة، والإيمان بعالم الشهادة على بصيرة كذلك، فتكتمل المعرفة، ويتوازن"الإنسان". أما"التنوير"الذي يجعل عالم الشهادة بديلا من عالم الغيب، والعقل بديلا من الدين، والعمل للدنيا بديلا من العمل للآخرة .. فلا يفترق كثيرا عن"الظلام"الأول! فقد كانت جريمة الظلام الأول أنه اتخذ نصف الإنسان بديلا من نصفه الآخر! فجعل عالم الغيب بديلًا عن عالم الشهادة، وجعل الدين بديلا من العقل، وجعل العمل للآخرة بديلا من العمل للدنيا، فجاء الظلام الآخر - الذي يسمى"التنوير"- فأبرز النصف الذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت