فهرس الكتاب
لم تدرك أولا مجالات العمل المطلوبة من العقل البشري، الذي أنعم الله به على الإنسان، وفضّله به على كثير ممن خلق ..
(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [1] .
إن المجال الأول والأعظم لهذا العقل هو الاهتداء إلى وحدانية الله سبحانه وتعالى، ومن ثم عبادته وحده بلا شريك. فالإنسان عابد بفطرته .. ودَعْ عنك موجة الإلحاد المصطنعة التي روّج لها شياطين الأرض في هذا القرن الأخير خاصة، والتي تلاشت من ذات نفسها حين انهارت الشيوعية حامية الإلحاد، فعاد الناس - المهتدون منهم والضالون - يهرعون إلى مساجدهم وكنائسهم ومعابدهم كأن لم يكونوا قد ألحدوا قط!
الإنسان عابد بفطرته .. وإنما الفرق بين عابد وعابد أن احدهما يعبد الله الحق، ويعبده وحده بلا شريك، وآخر يعبد آلهة أخرى غير الله، معه أو من دونه، ويتصور الله على غير حقيقته، أو يعبد هواه:
(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) [2] .
والمهمة العظمى للعقل الذي وهبه الله للإنسان أن يبحث في تلك القضية الأساسية، التي يترتب عليها كل مصير الإنسان في الدنيا والآخرة: (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) [3] .
فأما في الآخرة فيترتب عليها الخلود في الجنة أو الخلود في النار ..
وأما في الدنيا فيترتب عليها إجابة أسئلة كثيرة: من المعبود الذي تجب له العبادة؟ من المشرع الذي يحل ويحرم؟ من المقرر الذي يقرر منهج الحياة؟ ما مصدر التلقي في قضايا الحياة الكبرى؟ فضلا عن الإجابة على أسئلة أخرى تخطر على الفطرة وتحتاج إلى إجابة، وإن لم تتلق الإجابة الصحيحة تحيّر الإنسان وتشقيه: من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ وكيف؟ من أين جئنا؟ إلى أين نذهب بعد الموت؟ لأي شيء نعيش؟ كيف (على أي منهج) نعيش؟
فإن لم تتلق الفطرة الإجابة الصحيحة على هذه الأسئلة فإنها تهيم في ضلالة كضلالة الشاعر"الجاهلي"المعاصر، إيليا أبو ماضي:
جئت .. لا أعلم من أين! ولكني أتيت!
ولقد أبصرت قدامي طريقا .. فمشيت!
وسأبقى ماشيًا إن شئت هذا أم أبيت!
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ .. لست أدري!!
وهو يعبر في الحقيقة عن أزمة الجاهلية المعاصرة، التي استبد بها القلق حين استبد بها الضلال .. حين لم تستطع أن تجد الإجابة الشافية على أسئلة الفطرة .. فهامت في الظلمات على الرغم من كل ما لديها من"العلم"!
(يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [4] .
فإذا فرغ العقل البشري من مهمته الأولى - التي يترتب عليها منهج حياته في الدنيا ومصيره في الآخرة - فأمامه مهام كثيرة أخرى في مقدمتها التعرف على الكون المادي، وعلى خواص المادة، من
(1) سورة الإسراء: 70
(2) سورة الجاثية: 23.
(3) سورة النمل: 60.
(4) سورة الروم: 7.