فهرس الكتاب

الصفحة 303 من 879

وشئون التشريع سواء (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [1] (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) [2] .

وكان من الواضح كذلك أن أوربا تقرر - قولا وعملا - أن الله لا شأن له بالتشريع، وأن حق التشريع موكول للإنسان.

ودارت الأمة دورة في التيه فقال قائل منها: إن الإسلام لا علاقة له بنظام الحكم! وإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن حاكما، إنما كان قاضيا يقضي بين الناس! وإن الخلافة لم تكن نظام حكم!

ودارت دورة أخرى في التيه فقال قائل منها: إن الشريعة التي نزلت قبل قرون طويلة لم تعد تصلح لأن تحكم حياة البشر اليوم في عالم متطور، لا وجه للشبه بينه وبين العالم الذي نزلت فيه تلك الشريعة قبل ذلك المدى الطويل من القرون!

ودارت دورة أخرى فقال قائل منها: إن الإسلام نظام دكتاتوري .. يقوم على الإستبداد بالسلطة، ويهمل"الأمة"التي هي - في الدولة"العصرية"- مصدر السلطات ..

وإذا كان الجدل قد ثار - بالعدوى من أوربا - حول حق الله في التشريع، والتحليل والتحريم، فقد ثار كذلك حول حق الله في تقرير القيم وتقرير المعايير ..

من الذي يقرر القيم التي تحكم حياة الإنسسان؟ الإنسان أم الله؟

فأما الإسلام فقد قرر بوضوح أن الله هو الذي يقرر القيم كما يقرر الشرائع لأنه هو الخلق المدبر الرزاق:

(أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) [3] .

( .. هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [4]

وأما أوربا فقد تمردت على ألوهية الله، وألّهت الإنسان بدلا منه، وقالت إن الإنسان هو الذي يقرر قيمه لأنه أعلم بواقعه، وأعلم بمصلحته!!

وكتب أحد كتابها كتابا سماه"الإنسان يقوم وحده Man Stands Alone"أي بعيدا عن وصاية الله، وكتب آخر كتابا سماه"الإنسان يصنع نفسه Man Makes Himself"أي بعيدا عن تعاليم الله.

وقد كانت لأوربا ظروفها التي أدت بها إلى هذا الموقف المتمرد على الله، وهي ظروف قد تفسر ولكنها لا تبرر، فإنه لا شيء على الإطلاق يبرر الكفر بالله.

ولكن الأمة - في التيه - لم تدرك القضية على حقيقتها، وظنت أنه من دلائل"التقدم"أن يصوغ الإنسان قيمه بنفسه، ويحدد معاييره! أليس الله قد وهب للإنسان عقلا يفكر به؟ وها هو ذا الإنسان يشغّل عقله ليضع منهاج حياته، مستعينا بثمار العلم وثمار التجربة .. وأي إنسان هو الذي يصنع ذلك؟! إنه"ذلك"الإنسان! القوي المتمكن المتفكر المتعمق، الذي يسيطر على كل الأرض، والذي نحبو نحن من خلفه حَبْوًا، بينما هو يكتسح الطريق!

لم تدرك الأمة أوجه الخلل في هذه القضية.

(1) سورة المائدة: 50.

(2) سورة الشورى: 10.

(3) سورة الأعراف: 54.

(4) سورة فاطر: 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت