فهرس الكتاب

الصفحة 310 من 879

والمعاصر الحق .. وفي جميع الأحيان على أنها أحداث ساذجة ليس فيها الذخر الحي المتدفق، الذي يوجد في أحداث الغرب وتورايخه!!

ولا شك أن الغرب كان هو البارز في صفحة الأحداث يومئذ، وهو القوي المتمكن الفعال المؤثر، والأمة الإسلامية في ضعفها وتخاذلها وانحسارها مهمشة مغلوبة على أمرها في الواقع الحي الموار، ينطبق عليها قول الشاعر:

ويقضي الأمر حين تغيب تيمٌ ... ولا يستأذنون وهم شهود!

نعم! ولكن ما علاقة هذا بالتاريخ الماضي وأمجاده؟! أتتغير حقائق التاريخ الماضية الثابتة الموثقة بتأثير الحاضر السيئ؟! أتمحّى أمجاد أمة بسبب انتكاس جيل من أجيالها؟!

حقيقة إن التغني بأمجاد الماضي على سبيل التعويض النفسي عن الواقع المنحسر ظاهرة مرضية، لا تفترق كثيرا عن تعاطي المخدر للهروب من الواقع السيئ الذي يعجز الإنسان عن تغييره، فيهرب منه في سبحات الخيال ..

ولكن الأمر يمكن أن يكون ظاهرة صحية لو سار في اتجاه آخر .. ذلك أن أمجاد الماضي حقائق مشهودة وليست سبحات من الخيال، فإذا استخدمت - تربويا - لحفز الهمم المتقاعسة، وإحياء العزة المتهاوية، فهي رصيد حيّ يصلح لعلاج حالة اليأس التي أصابت المسلمين من جراء الهزيمة العسكرية والهزيمة النفسية. ولكن دعاة الغزو الفكري وقفوا بالمرصاد لأي محاولة من هذا النوع، كأنما يخشون أن تؤتي تلك المحاولات ثمارها، فيعود المسلمون إلى ذوات أنفسهم التي هجروها في وهلة الانبهار، ويبدءوا مسيرة جديدة على هدى ذلك الماضي المجيد الذي عاشوه عدة قرون .. والغريب في الأمر أن موقفهم ذلك لم يكن صادرا من عند أنفسهم! فقد كانت كتابات المستشرقين تصدر النغمة أول مرة، فيتلقفها دعاة الغزو الفكري، ويرددونها بلا وعي - أو ربما بوعي! - لتخذيل كل من يحاول إعادة الأمة إلى مجدها القديم!

وبدلا من ذلك كان التوجيه إلى أمجاد أوربا! انظروا إلى التقدم العلمي! انظروا إلى التقدم الحضاري! انظروا إلى الرقي الفكري! انظروا إلى الديمقراطية! انظروا إلى الحقوق السياسية! انظروا إلى الكرامة التي يتمتع بها الإنسان!

وأما التقدم العلمي، والتكنولوجي، والمادي، والكرامة التي يتمتع بها الإنسان في المجتمعات الغربية فقد كانت كلها حقيقة .. أما الوزن النهائي لهذه"الحضارة"فقد كان أمرًا مختلفا كل الاختلاف!

ولكن الأمة - في التيه - لم تستطع أن ترى السلبيات في"الحضارة"الغربية. فالعين المبهورة لا ترى إلا الأضواء، وتعجز عن رؤية السواد الذي يحجبه الضوء اللامع! كما أن دعاة الغزو الفكري كانوا يوجهون تلك العيون المبهورة دائما إلى الأضواء، ويزجرونها زجرا أن تنقب بين الأضواء لتكتشف اللطخ السود!

لقد كان السواد الأعظم الذي يلقى ظله على العالم الإسلامي - والذي ينبغي أن يكون المسلمون أول من يحس وطأته - هو الاستعمار، وما يرتكب ذلك الاستعمار من فظائع، وما يوقعه بالمسلمين من إذلال.

ولقد كان الاستعمار هو التكذيب الفعلي لكل دعاوي الغرب في رفعة قيمه وإنسانية حضارته وإيمانه الحقيقي بما يرفعه من شعارات .. وكان واقعه الأسود قمينا أن يوقظ المسلمين من وهلة انبهارهم إلى حقيقة تلك الحضارة الزائفة، الموغلة في الأنانية، المسفّة في وجدانها"الإنساني"إلى الحضيض، وأن يعودوا إلى أمجاد تاريخهم المهجورة، ليقارنوا بين حركة الفتح الإسلامي والاستعمار الصليبي (الذي أخفيت صبغته الصليبية كما ألمحنا من قبل) ليعرفوا الفارق بين الأمة الربانية، والمنهج الرباني، والأخلاق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت