فهرس الكتاب

الصفحة 314 من 879

وظهر اللامعقول، فقلنا لا بد أن يكون لدينا أدب لامعقول! وأنشأ أحد أدبائنا"الكبار"مسرحية"لامعقولة"سماها"يا طالع الشجرة"كتب لها مقدمة قال فيها: كتبت هذه المسرحية على طريقة اللامعقول لكي لا يقال عنا إنه ليس لدينا أدب لامعقول!

يا عجبا! لقد تخبطت أوربا في"نهضتها"فلجأت إلى"العقلانية"المسرفة انتقاما من حجر الكنيسة على العقل عشرة قرون كاملة، فأدخلت العقل في كل شيء سواء كان للعقل فيه مجال أم لم يكن .. ثم وجدت - بعد لأى - أن العقل لم يحل لها كل مشاكلها بل أنشأ مشاكل جديدة حين أُقحم فيما لا طاقة له به .. فقفزت إلى"اللامعقول"فرارا من العقلانية المسرفة .. أما نحن فما بالنا؟! لماذا نلجأ إلى اللامعقول؟!

ثم ظهرت الحداثة .. فقلنا لا بد أن يكون لنا أدب حداثي .. يا للعار! أيكون أدبنا بلا حداثة؟! ونكون متخلفين؟!

والجوهر الحقيقي للحداثة هو تحطيم"التراث"والانفلات منه ولو إلى لا شيء!

المهم أن نحطم التراث - الذي يمثل الأغلال - ونخرج إلى الحرية والانعتاق .. وأوربا حين تصنع ذلك فهي حرة تصنع في نفسها ما تشاء. وقد يكون لها عذرها، فالتراث عندها هو الكنيسة وخرافاتها وطغيانها وجبروتها، وتعطيل قوى الإنسان عن العمل المثمر في واقع الأرض. فتحطيم"ذلك"التراث والانفلات منه أمر"معقول"..

أما المسلم حين يحطم تراثه الرباني، فماذا يبقى له إلا الضرب في التيه؟!

هكذا كان حجم التيه الذي دخلت فيه الأمة .. واسعا شاملا، شمل كل جوانب الحياة .. وبعبارة أخرى شمل الانحراف كل مقتضيات لا إله إلا الله، فإن مقتضيات لا إله إلا الله تشمل كل جوانب الحياة [1] ..

(قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ .. ) [2] .

ولا نقول بطبيعة الحال إن كل الناس قد لفّتهم الدوامة، وإنه لم يبق في الأمة من يدرك مقدار الخلل الذي أصابها حين دخلت في التيه ..

كلا! إن هذا لم يحدث قط، ولا يمكن أن يحدث:

"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم .." [3] .

ولكن الدوامة كانت من العنف بحيث قذفت المعارضين لها فأقصتهم عن مركز التوجيه، وهمّشتهم على جوانبها، وأبرزت أولئك الذين تشربوا السم كله فجعلتهم هم القادة الذين يقودون .. في جميع الميادين .. في السياسة والاقتصاد والاجتماع والفكر والأدب والفن .. وفي كل شيء.

وبدا لفترة من الوقت أن الأمة قد قطعت ما بينها وبين دينها، وما بينها وبين تراثها، وما بينها وبين تاريخها .. وأنها اتخذت طريق أوربا .. ولن تعود!

ولكن الحقيقة أن الأمة كانت تعيش بشخصية مزدوجة ..

(1) انظر إن شئت فصل"مقتضيات لا إله إلا الله في الرسالة المحمدية"من كتاب"لا إله إلا الله عقيدة وشريعة ومنهاج حياة".

(2) سورة الأنعام: 162 - 163.

(3) أخرجه الشيخان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت