المقدسة من الإله (يرمز إلى كون الإنسان بدأ يتعلم) فغضب الإله على الاثنين معا،"بروميثيوس"سارق النار المقدسة، و"إيبيميثيوس"الإنسان الذي خلقه من طين الأرض، فوكل ببروميثيوس نسرًا أكل كبده طوال النهار، وفي الليل تنبت له كبد جديدة فيأتي النسر في الصباح ليأكل كبده طوال النهار. هكذا في عذاب أبدي .. أما إيبيميثيوس الذي عجز الإله عن استرداد النار المقدسة منه (يرمز ذلك إلى أن المعرفة لا يمكن سلبها من الإنسان إذا حصل عليها) فقد أرسل إليه امرأة تسمى باندورا (ترمز إلى حواء) لتؤنسه في وحدته، ولكنه أرسل معها صندوقا هدية، فلما فتح الصندوق إذا هو مملوء بالشرور! فقفزت الشرور من الصندوق وملأت أرجاء الأرض!!
هكذا تصور الأسطورة الإغريقية العلاقة بين الإنسان وبين الله! فالعلم ليس نفحة ربانية أفاضها الله على الإنسان من فضله: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) [1] .. (عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [2] .. (خَلَقَ الْأِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) [3] إنما هو مغتصب اغتصابا من الإله! والإله - بدافع الغيرة (نستغفر الله) - لا يريد للإنسان أن يتعلم، ولا أن ينتفع بعلمه، فينتقم منه هذا الانتقام الفظيع!
تلك هي بذرة"المأساة"في حياة الإنسان كما تصورها الأسطورة الإغريقية ..
وتلك - رعاك الله - هي التي تنقص الأدب العربي والأمة العربية!
ولقد تتبعت أثر الأسطورة الإغريقية في الأدب الأوربي بعد أن نزعت أوربا سلطان الكنيسة من حياتها، وعادت إلى الأصول الإغريقية تستمد منها مفاهيم حياتها منذ عصر النهضة، فوجدت عجبا!
عادت أوربا - في الأدب على الأقل - إلى الوثنية الإغريقية في فترة الرومانسية فعبدت"الطبيعة"إلها جديدا بدلا من إله الكنيسة الذي استعبدت باسمه الناس .. فنشأ في النفس الأوربية صراع بين الإنسان وذلك الإله الجديد! وتحدثوا في كتاباتهم عن"صراع الإنسان مع الطبيعة"وقالوا:"الإنسان يقهر الطبيعة"!
ثم ألهت أوربا الإنسان بدلا من الله .. فعاد الصراع مع الإله الجديد! إما صراعا نفسيا داخل الإنسان الفرد، وإما صراعا اجتماعيا بين بعض البشر وبعض!
لا سلام! لا بد من وجود الصراع ..
وهو ليس ذلك الصراع الذي أذن الله به وباركه، صراع الخير ضد الشر الذي قال الله فيه: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) [4] (ُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [5] .
إنما هو الصراع بين الإنسان وبين الله!
وذلك يا رعاك الله - هو الذي ينقص الأدب العربي ليكون أدبا عالميا له أغوار!
ثم تخبطت أوربا في آدابها فتخبطنا معها .. فقط من أجل ألا يفوتنا التخبط معها!
ظهرت السريالية - بعد شطحات فرويد في"العقل الباطن"و"اللاشعور"- فقلنا لا بد أن يكون لدينا سريالية .. يا للعيب .. كيف لا"نَتَسَرْيَل"معهم؟!
(1) سورة البقرة: 31.
(2) سورة العلق: 5.
(3) سورة الرحمن: 3 - 4.
(4) سورة البقرة: 251.
(5) سورة الحج: 40.