وهل الأدب إلا التعبير عن كوامن النفس وخطرات العقل وتجربة الإنسان في الحياة؟ وحين تكون هذه كلها ساربة في التيه، فكيف يكون التعبير عنها في صورة أدبية أو فنية .. إلا أن يكون أدب التيه، وفن الضياع؟!
كان أول التيه أننا حملنا أدبنا العربي كله فوضعناه على الميزان الغربي، فاتضح لنا - ويا للأسف - أنه ليس عندنا أدب!
شعرنا كله - أو جلّه - يندرج تحت بند واحد من بنود الشعر اليوناني، الذي هو أصل الأصول في فن القول وفن الفكر وفن الحياة .. ذلك البند هو"الشعر الغنائي"..."Lyrical Poetry"الذي كان الرعاة يتسلون بغنائه وهم يرعون أغنامهم، فيبثون فيه أشواقهم وأحزانهم، وذكرياتهم وهمومهم الذاتية .. ولكن ليس عندنا ملحمة، وليس عندنا مسرحيّة شعرية .. وليس عندنا .. وليس عندنا .. والمأساة الكبرى أنه ليس لدينا في أدبنا مأساة!
المأساة اليونانية هي أدب الدنيا والدين. هي عصارة التجربة البشرية العميقة الواصلة إلى الأغوار .. أغوار النفس البشرية، وأغوار السنن التي تحكم حياة الإنسان على الأرض .. وخلوّ أدبنا منها عار ما بعده عار!
والمأساة اليونانية في حقيقتها - مع كل"أغوارها"ودقتها وبراعتها في الأداء الفني - هي صراع البشر مع الآلهة!
الإنسان يريد أن يثبت وجوده .. يريد أن يبرز .. يريد أن يكون فاعلا مريدا .. يريد أن يبني ويصنع البطولات والأمجاد والخوارق (يريد في الحقيقة أن يكون إلهًا) والآلهة تغار من الإنسان، فتسعى إلى وضع العقبات في طريقه، وفي النهاية تحطمه حين يصر على عزيمته ويرفض الانصياع لكيد الآلهة .. وعندئذ تحدث المأساة!
أرأيت؟!
وأدبنا ليس فيه مأساة .. لأننا أمة سطحية لا طاقة لها بالوصول إلى الأغوار .. تعيش على هامش الحياة ولا تغوص في أعماقها .. !
وقد كنت أَدْرُسُ الأدب الإنجليزي في الجامعة، وكانت الأصول الإغريقية تدرس لنا باعتبارها المنابع التي كان يستقي منها الأدب الأوربي فترة من الزمن غير قصيرة، وهي كذلك المعايير التي كان يستقي منها النقّاد نظرتهم إلى الأدب وتقويمهم له، وكنت في الوقت ذاته أستمع إلى ما يلوكه"نقّادنا"عن الأدب العربي في جملته، فأعجب في نفسي .. كيف يمسخ الناس إلى هذا الحد؟!
ليس دفاعًا عن الأدب العربي .. ما كان فيه وما لم يكن .. فليست هذه هي القضية! القضية هي نحن: كيف دابت شخصيتنا إلى هذا الحد، فلم نعد ننظر بعيوننا، إنما نستعير عيون غيرنا لننظر بها إلى أنفسنا؟!
ولم أكن أديبا ولا ناقدا ..
ولكن عنّت لي ملاحظة في أثناء دراستي للأدب الإنجليزي، وهو نموذج للأدب الأوربي عامة، مع وجود الفوارق الذاتية بطبيعة الحال بين شعب وشعب، وأديب وأديب ..
إن فكرة الصراع بين البشر والإله (أو الآلهة كما صورتها وثنية اليونان) عميقة جدا في الأدب الغربي في جميع أطواره.
كانت واضحة جدا في الأساطير اليونانية، وبخاصة أسطورة بروميثيوس سارق النار المقدسة، التي تروي أن الإله زيوس - إله الآلهة - خلق الإنسان من قبضة من طين الأرض وسواه على النار المقدسة (ترمز في الأسطورة إلى المعرفة) ثم أهبطه إلى الأرض وحيدا في الظلام (يرمز الظلام إلى الجهل) فأشفق عليه كائن أسطوري يسمى بروميثيوس (لعله يرمز إلى الشيطان والله أعلم) فسرق له النار