فهرس الكتاب

الصفحة 413 من 879

إنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَصْنَامُ فِي النَّارِ لِأَنَّهَا عُبِدَتْ مِنْ دُونِ (اللَّهِ) فَقَدْ يَجِبُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمَلَائِكَةِ وَالْمَسِيحِ لِأَنَّهُمْ عُبِدُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَلَكِنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا يَفْعَلُهُ بِهَا فِي الْآخِرَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ إنَّ الْأَصْنَامَ فِي النَّارِ لِأَنَّهَا عُبِدَتْ مِنْ دُونِ اللَّهِ (وَلَكِنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا يَفْعَلُهُ بِهَا فِي الْآخِرَةِ) تَعْيِيرًا لِلْكُفَّارِ وَإِظْهَارًا لِتَكْذِيبِهِمْ بِأَنَّهُمْ يُقَرِّبُونَهُمْ إلَى اللَّهِ زُلْفَى. وَلَيْسَ يَجِبُ إذَا أَخْبَرَ أَنَّهُ يَجْعَلُ الْأَصْنَامَ مَعَ عَبَدَتِهَا فِي النَّارِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ (الْمَلَائِكَةِ وَالْمَسِيحِ) (لِأَنَّهُمْ) مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَوْلِيَائِهِ وَمَنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ فِي الْآخِرَةِ. ثُمَّ لَمْ يَدَعْهُمْ وَمَا اعْتَرَضُوا بِهِ حَتَّى أَنْزَلَ {إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} وَعَلَى أَنَّ مَا سَبَقَ مِنْ وَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْبِيَاءَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ الْجَنَّةَ خَبَرٌ لَا يَجُوزُ النَّسْخُ وَالتَّبْدِيلُ فِي مَخْبَرِهِ، وقوله تعالى: {إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} خَبَرٌ وَرَدَ بَعْدَهُ فَلَا بُدَّ لَهُ وَإِنْ كَانَ مَخْرَجُهُ مَخْرَجَ عُمُومٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ كَمَا يَكُونُ الْعُمُومُ مُرَتَّبًا عَلَى أَحْكَامِ الْعَقْلِ الَّتِي لَا يَجُوزُ فِيهَا النَّسْخُ وَالتَّبْدِيلُ.، وَذَلِكَ ضَرْبٌ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى وُجُوبِ تَرْتِيبِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَقَدْ عَقَدْنَا فِي أَصْلِ الْمَذْهَبِ جَوَازَ ذَلِكَ بِدَلَالَةٍ. وَأَيْضًا فَإِنَّ قوله تعالى {وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} لَمْ يَرِدْ إلَّا مُرَتَّبًا عَلَى مَا فِي الْعَقْلِ مِنْ امْتِنَاعِ جَوَازِ تَعْذِيبِ الْمَلَائِكَةِ وَالْمَسِيحِ فِي الْآخِرَةِ. وَذَكَرَ أَيْضًا {قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ تَعَالَى اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} حِينَ دَعَاهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يُجِبْهُ. (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) : وَهَذَا عَلَيْهِ دَلَالَةٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَهُ أَنَّ قوله تعالى {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} قَاضٍ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ وَالْآيَةُ عَامَّةٌ وَالنَّهْيُ عَنْ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ خَاصٌّ فَأَعْلَمَهُ عليه السلام أَنَّ الْعَامَّ قَاضٍ عَلَى الْخَاصِّ، وَالْإِكْثَارُ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا هَذَا الرَّجُلُ إنَّمَا يَطُولُ بِهَا الْكِتَابُ مِنْ غَيْرِ تَحْصِيلٍ وَلَا فَائِدَةٍ. لِأَنَّ النُّكْتَةَ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ الْبَابِ أَنَّ الْعَامَّ قَدْ بُنِيَ عَلَى الْخَاصِّ بِدَلَالَةٍ وَقَدْ يُقْضَى عَلَيْهِ إذَا لَمْ تَقُمْ دَلَالَةُ (التَّرْتِيبِ) وَكُلُّ مَوْضِعٍ بُنِيَ فِيهِ الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ فَلَمْ يَخْلُ مِنْ دَلَالَةٍ أَوْجَبَتْهُ.، وَذَكَرَ غَيْرُهُ فِي نَحْوِ هَذَا قوله تعالى {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} وَ وقوله تعالى {مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَرْتِيبُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ، لِأَنَّ قوله تعالى {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} لَمْ يَتَنَاوَلْ الْكِتَابِيَّاتِ عِنْدَنَا لِمَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا سَلَفَ مِنْ أَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الْمُشْرِكِ يَتَنَاوَلُ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عُمُومًا لَمْ يَعْتَرِضْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّا إنَّمَا قُلْنَا إنَّ الْعَامَّ يَنْسَخُ الْخَاصَّ إذَا وَرَدَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ حُكْمِهِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا عِلْمُ ذَلِكَ فِي هَاتَيْنِ. وَالثَّانِي: أَنَّا إنَّمَا رَتَّبْنَا الْعَامَّ عَلَيْهِ لِاتِّفَاقِ السَّلَفِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُعْلَمْ تَارِيخُ نُزُولِهِمَا.، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ نَحْوُ قوله تعالى {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} وقوله تعالى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} إلَى آخِرِهِ وقوله تعالى {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} وقوله تعالى {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} .، وَكُلُّ ذَلِكَ إنَّمَا وَجَبَ فِيهِ التَّرْتِيبُ لِدَلَائِلَ أَوْجَبَتْهُ، وَاعْتِرَاضُ مُخَالِفِنَا عَلَيْنَا بِمِثْلِ ذَلِكَ كَاعْتِرَاضِ نُفَاةِ الْعُمُومِ بِالْآيِ الَّتِي ظَوَاهِرُهَا الْعُمُومُ وَالْمُرَادُ بِهَا الْخُصُوصُ وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِهَا عَلَى نَفْيِ الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ فَقُلْنَا لَهُمْ إنَّ الْأَصْلَ الْعُمُومُ وَصِرْنَا إلَى الْخُصُوصِ بِدَلَالَةٍ كَمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلِمَةِ الْحَقِيقَةُ (وَلَا تُصْرَفُ) إلَى الْمَجَازِ إلَّا بِدَلَالَةٍ. كَذَلِكَ نَقُولُ فِيمَا (قَدْ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت