ذَكَرْنَا أَنَّا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى صِحَّةِ الْمَقَالَةِ بِمَا وَصَفْنَا.، وَكُلُّ مَوْضِعٍ أَرَيْتُمُونَا فِيهِ التَّرْتِيبَ فَإِنَّمَا رَتَّبْنَاهُ بِدَلَالَةٍ فَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي أَصْلِ الْمَقَالَةِ كَمَا لَا يَقْدَحُ وُجُودُ لَفْظٍ مُرَادُهُ الْخُصُوصُ فِي أَصْلِ الْقَوْلِ فِي الْعُمُومِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدْ وَجَدْنَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عُمُومًا قَضَى عَلَى الْخُصُوصِ نَحْوَ قوله تعالى {يَسْأَلُونَك عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} إلَى آخِرِهَا وقوله تعالى {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} عُمُومٌ نُسِخَ بِهِ حَظْرُ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ قَدْ خَالَفَنَا فِيهِ جَمِيعًا وَزَعَمَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ثَابِتٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءِ بْنِ رَبَاحٍ.، وَقَدْ ذَكَرَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ فِي نَحْوِ ذَلِكَ أَشْيَاءَ مِنْهَا قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم {لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ} عَامٌّ نُسِخَ بِهِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَقَوْلُهُ {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ} وَجَمِيعُ ذَلِكَ خَاصٌّ نَسَخَهُ الْعَامُّ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَوْلُهُ {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} يُوجِبُ نَسْخَ ذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّ قوله تعالى {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ} اقْتَضَى وَصِيَّةً مَنْكُورَةً لِمَنْ كَانَتْ مِنْ النَّاسِ، وَجَعَلَ بَاقِيَ الْمَالِ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ لِلْوَرَثَةِ وقوله تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} وَقَوْلُهُ {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ} اقْتَضَى وُجُوبَ الْوَصِيَّةِ لَهُمْ وَهُوَ خَاصٌّ نَسَخَهُ قوله تعالى {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} وَهُوَ عَامٌّ لِأَنَّهُ اقْتَضَى جَوَازَ وَصِيَّةٍ لِمَنْ كَانَ مِنْ النَّاسِ وَيُجْعَلُ الْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ فَلَا يَبْقَى لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَلَا لِلزَّوْجَةِ وَصِيَّةٌ فَقَدْ دَلَّ (هَذَا) عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ قَدْ اقْتَضَتْ نَسْخَ إيجَابِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ. قَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ وَرُوِيَ {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَطَعَ الْمُسْتَعِيرَةَ} وَرُوِيَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم (أَنَّهُ) قَالَ {لَا قَطْعَ عَلَى حَائِزٍ} فَقَضَى بِذَلِكَ عَلَى الْخَاصِّ، وَقَامَرَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه الْمُشْرِكِينَ حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ {أَلَمْ غُلِبَتْ الرُّومُ} ثُمَّ نَسَخَهَا عُمُومُ تَحْرِيمِ الْقِمَارِ. قَالَ وَتَحْرِيمُ الرِّبَا مُجْمَلٌ نَسَخَ كُلَّ رِبًا كَانَ مِنْ قَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَامَّ يَقْضِي عَلَى الْخَاصِّ إذَا وَرَدَ بَعْدَهُ {قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حِينَ صَلَّى فِي بَيْتِهَا رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، مَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ وَقَدْ كُنْتَ نَهَيْتَ عَنْهُمَا؟ فَقَالَ رَكْعَتَانِ كُنْت أُصَلِّيهَا فَشَغَلَنِي عَنْهُمَا الْوَفْدُ} . وَلَمْ يَقُلْ لَهَا إنَّ اعْتِبَارَك هَذَا (لَا يَجُوزُ) بَلْ بَيَّنَ لَهَا جِهَةَ الْخُصُوصِ وَرُوِيَ أَنَّهَا قَالَتْ (أَوَنَقْضِيهِمَا) إذَا فَاتَتَا؟ قَالَ:"لَا"فَيُقَالُ لِهَذَا الرَّجُلِ إذَا كُنْت قَدْ وَجَدْت عَامًّا قَضَى عَلَى خَاصٍّ (وَنَسَخَهُ وَعَامًّا مُرَتَّبًا عَلَى خَاصٍّ) فَلِمَ جَعَلْت مَا وَجَدْت مِنْ نَسْخٍ فِيهِمَا قَاضِيًا بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي كُلِّ حَالٍ دُونَ أَنْ تَجْعَلَ مَا وَجَدْت مِنْ نَسْخِ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ مُوجِبًا لِكَوْنِ الْخَاصِّ مَنْسُوخًا بِالْعَامِّ أَبَدًا حَتَّى تَقُومَ دَلَالَةُ التَّرْتِيبِ، فَلَا يُمْكِنُهُ الِانْفِصَالُ مِنْ ذَلِكَ إذْ كَانَ أَكْثَرُ حِجَاجِهِ فِي الْبَابِ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَا وُجِدَ مِنْ التَّرَتُّبِ وَالِاسْتِدْلَالَ (بِهِ) عَلَى وُجُوبِ اعْتِبَارِهِ فِي كُلِّ حَالٍ وَعَلَى أَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ خَالَفَ هَذَا الْأَصْلَ الَّذِي رَامَ هَذَا الرَّجُلُ نُصْرَتَهُ بِمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ نَسْخِ الْخَاصِّ (بِالْعَامِّ) .، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رحمه الله قَالَ فِي قوله تعالى {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} (أَنَّهُ نَاسِخٌ لقوله تعالى فِي ذِكْرِ الْوَصِيَّةِ {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} وَمَعْلُومٌ أَنَّ قوله تعالى {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} ) خَاصٌّ وَرَدَ فِي شَانِ الرَّجْعَةِ. وقوله تعالى {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} خَاصٌّ أَيْضًا فِي شَانِ