النِّسَاءِ مُكَلَّفَاتٍ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَمُفَارَقَةِ الْكُفْرِ مَا يَلْزَمُ الرِّجَالَ سَوَاءٌ سَوَاءٌ، فَلَا يَحِلُّ إبْقَاؤُهُنَّ عَلَى الْكُفْرِ بِغَيْرِ قَتْلٍ وَلَا جِزْيَةٍ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا [قَدْ] ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ بِإِسْنَادِهِ: {أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، وَيُؤْمِنُوا بِمَا أُرْسِلْتُ بِهِ - فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ} . وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ هَذِهِ اللَّوَازِمَ كُلَّهَا هِيَ عَلَى النِّسَاءِ كَمَا هِيَ عَلَى الرِّجَالِ، وَأَنَّ أَمْوَالَهُنَّ فِي الْكُفْرِ مَغْنُومَةٌ كَأَمْوَالِ الرِّجَالِ؛ فَثَبَتَ يَقِينًا أَنَّهُنَّ لَا يَعْصِمْنَ دِمَاءَهُنَّ وَأَمْوَالَهُنَّ إلَّا بِمَا يَعْصِمُ الرِّجَالُ بِهِ أَمْوَالَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ، أَوْ الْجِزْيَةِ إنْ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ وَلَا بُدَّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وقوله تعالى {وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ} . فَصَحَّ أَنَّ الْكُفْرَ يَكُونُ كَلَامًا. وَقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْكُفْرِ عَلَى إبْلِيسَ - وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ مِنْ نَارٍ وَخَلَقَ آدَمَ مِنْ طِينٍ - وَأَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ وَكَرَّمَهُ عَلَيْهِ - وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى النَّظِرَةَ إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: إذْ لَيْسَ شَتْمُ اللَّهِ تَعَالَى كُفْرًا عِنْدَكُمْ، فَمِنْ أَيْنَ قُلْتُمْ: إنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الْكُفْرِ؟ فَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ عَلَى قَائِلِهِ بِحُكْمِ الْكُفْرِ؟ قِيلَ لَهُمْ: نَعَمْ، مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِنَفْسِ قَوْلِهِ، لَا بِمَغِيبِ ضَمِيرِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّمَا حُكِمَ لَهُ بِالْكُفْرِ بِقَوْلِهِ فَقَطْ، فَقَوْلُهُ هُوَ الْكُفْرُ، وَمَنْ قَطَعَ عَلَى أَنَّهُ فِي ضَمِيرِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَوْمٍ {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} فَكَانُوا بِذَلِكَ كُفَّارًا، كَالْيَهُودِ الَّذِينَ عَرَفُوا صِحَّةَ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ كُفَّارٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى قَطْعًا بِيَقِينٍ، إذْ أَعْلَنُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: فَإِذْ قَدْ سَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ فَالْوَاجِبُ أَنْ نَنْظُرَ فِيمَا احْتَجَّتْ بِهِ الطَّائِفَةُ الْقَائِلَةُ إنَّ مَنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَوْ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ - عليهم السلام - فَهُوَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ كَافِرٌ - سَوَاءٌ اعْتَقَدَهُ بِقَلْبِهِ أَوْ اعْتَقَدَ الْإِيمَانَ بِقَلْبِهِ: فَوَجَدْنَاهُمْ يَذْكُرُونَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى {قُلْ أَبِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ} . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} الْآيَةَ. وقوله تعالى {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} قَالَ فَقَضَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَقَسَمَ وَحَكَمَ: أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ أَحَدٌ حَتَّى يُحَكِّمَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِيمَا شَجَرَ ثُمَّ لَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ حَرَجًا فِي شَيْءٍ مِمَّا قَضَى بِهِ وَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا. قَالُوا: وَبِضَرُورَةِ الْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ نَدْرِي أَنَّ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أَوْ مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَى جَمِيعِهِمْ السَّلَامُ - أَوْ شَيْئًا مِنْ الشَّرِيعَةِ، أَوْ اسْتَخَفَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَلَمْ يُحَكِّمْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لِمَا أَتَى بِهِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِكْرَامِ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ، وَتَعْظِيمِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي هِيَ شَعَائِرُ اللَّهِ تَعَالَى. فَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ فَقَدْ كَفَرَ إذْ لَيْسَ إلَّا مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ. قَالُوا: وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِإِحْبَاطِ عَمَلِ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ عَلَى صَوْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَإِحْبَاطُ الْعَمَلِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْكُفْرِ فَقَطْ. وَرَفْعُ الصَّوْتِ عَلَى صَوْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُ فِيهِ: الِاسْتِخْفَافُ بِهِ عليه السلام، وَالسَّبُّ لَهُ، وَالْمُعَارَضَةُ مِنْ حَاضِرٍ وَغَائِبٍ. قَالُوا: وَكَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْمُسْتَهْزِئِينَ بِاَللَّهِ وَبِآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ: أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِذَلِكَ بَعْدَ إيمَانِهِمْ، فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ