وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ وَلِهَذَا جَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِقِتَالِ الرُّومِ وَدَعَا الْمُسْلِمِينَ إلَى ذَلِكَ، وَنَدَبَ الْأَعْرَابَ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ إلَى قِتَالِهِمْ، فَأَوْعَبُوا مَعَهُ وَاجْتَمَعَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ نَحْوُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَتَخَلَّفَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَغَيْرِهِمْ. وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَنْ مَعَهُ يُرِيدُ الشَّامَ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، فَبَلَغَ تَبُوكَ وَنَزَلَ بِهَا، وَأَقَامَ فِيهَا نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ يَوْمًا، يُبَايِعُ الْقَبَائِلَ الْعَرَبِيَّةَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيَعْقِدُ الْمُعَاهَدَاتِ مَعَ الْقَبَائِلِ الْأُخْرَى عَلَى الْجِزْيَةِ إلَى أَنْ تَمَّ خُضُوعُ تِلْكَ الْمِنْطَقَةِ لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ آيَةِ الْجِزْيَةِ:"نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَمْرِهِ بِحَرْبِ الرُّومِ، فَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ نُزُولِهَا غَزْوَةَ تَبُوكَ". ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ. بِهَذِهِ الْآيَةِ تَمَّ تَشْرِيعُ الْجِزْيَةِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَقْتِ تَشْرِيعِهَا تَبَعًا لِاخْتِلَافِهِمْ فِي وَقْتِ نُزُولِ الْآيَةِ. فَذَهَبَ ابْنُ الْقَيِّمِ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْكُفَّارِ إلَّا بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ سُورَةِ بَرَاءَةٍ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ. وَذَهَبَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ إلَى أَنَّ آيَةَ الْجِزْيَةِ نَزَلَتْ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، حَيْثُ قَالَ عِنْدَ تَفْسِيرِهِ لِلْآيَةِ: هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَوَّلُ الْأَمْرِ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْدَمَا تَمَهَّدَتْ أُمُورُ الْمُشْرِكِينَ وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا وَاسْتَقَامَتْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ، أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ. هَذَا وَلَمْ يَاخُذْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جِزْيَةً مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْكُفَّارِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْجِزْيَةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ أَخَذَهَا مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَمَجُوسِ هَجَرَ، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْ أَهْلِ أَيْلَةَ، وَأَذْرُحَ، وَأَهْلِ أَذْرَعَاتٍ وَغَيْرِهَا مِنْ الْقَبَائِلِ النَّصْرَانِيَّةِ الَّتِي تَعِيشُ فِي أَطْرَافِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ. رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ - بِسَنَدِهِ - إلَى ابْنِ شِهَابٍ قَالَ:"أَوَّلُ مَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ أَهْلُ نَجْرَانَ وَكَانُوا نَصَارَى". وَذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْجِزْيَةِ أَخَذَهَا - أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم - مِنْ الْمَجُوسِ وَأَخَذَهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَأَخَذَهَا مِنْ النَّصَارَى. وَيَقْصِدُ مَجُوسَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ مَجُوسَ هَجَرَ. رَوَى الْبُخَارِيُّ - بِسَنَدِهِ - إلَى الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: إنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيَّ وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا أَخْبَرَهُ {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ إلَى الْبَحْرَيْنِ يَاتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ} . وَبَعْدَ أَنَّ أَخَذَهَا صلى الله عليه وسلم مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ وَمَجُوسِ هَجَرَ أَخَذَهَا مِنْ بَعْضِ الْقَبَائِلِ الْيَهُودِيَّةِ، وَالنَّصْرَانِيَّة فِي تَبُوكَ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ فَأَخَذَهَا مِنْ أَهْلِ أَيْلَةَ حَيْثُ {قَدِمَ يُوحَنَّا بْنُ رُؤْبَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي تَبُوكَ، وَصَالَحَهُ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ بَالِغٍ بِأَرْضِهِ فِي السَّنَةِ دِينَارٌ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ قِرَى مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا بِأَنْ يُحْفَظُوا وَيُمْنَعُوا. وَأَخَذَهَا مِنْ أَهْلِ أَذْرُحَ وَأَهْلِ الْجَرْبَاءِ وَأَهْلِ تَبَالَةَ وَجَرَشَ، وَأَهْلِ أَذْرَعَاتٍ وَأَهْلِ مَقْنَا، وَكَانَ أَهْلُهَا يَهُودًا، فَصَالَحَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى رُبُعِ غُزُولِهِمْ وَثِمَارِهِمْ وَمَا يَصْطَادُونَ عَلَى الْعَرُوكِ} . وَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، حَيْثُ أَرْسَلَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إلَيْهِمْ. فَقَالَ مُعَاذٌ:"بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَى الْيَمَنِ وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا". وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ كِتَابَ الرَّسُولِ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ