حَيْثُ جَاءَ فِيهِ: مِنْ مُحَمَّدٍ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ. . وَأَنَّهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ فَإِنَّهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنْ كَانَ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ أَوْ نَصْرَانِيَّتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُفْتَنُ عَنْهَا وَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ.
الْأَدِلَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْجِزْيَةِ:
10 -ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّةُ الْجِزْيَةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} . فَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا. وَلِهَذَا شَرَعَ اللَّهُ مُجَاهَدَةَ الْكَافِرِينَ، وَمُقَاتَلَتَهُمْ حَتَّى يَرْجِعُوا عَنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ، وَيَدْخُلُوا الدِّينَ الْحَقَّ، أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ سَبَقَ بَعْضُهَا. وَمِنْهَا مَا رَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ بُرَيْدَةَ. {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا. ثُمَّ قَالَ: اُغْزُوَا بِاسْمِ اللَّهِ. فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ. اُغْزُوَا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تُمَثِّلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا. وَإِذَا لَقِيت عَدُوَّك مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ. فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ. فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى التَّحَوُّلِ عَنْ دَارِهِمْ إلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ. وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ} . فَقَوْلُهُ: {فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ} يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْجِزْيَةِ وَإِقْرَارِهَا.
11 -أَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ أَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْ الْكُفَّارِ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ: كَحَدِيثِ: {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ إلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ} . فَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا كَانَتْ فِي بِدَايَةِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ بَرَاءَةٍ، وَسُورَةُ بَرَاءَةٍ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ:"وَإِنَّمَا تُوَجَّهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، وَقَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ سُورَةُ بَرَاءَةٍ، وَيُؤْمَرَ فِيهَا بِقَبُولِ الْجِزْيَةِ فِي قوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} ، وَإِنَّمَا نَزَلَ هَذَا فِي آخِرِ الْإِسْلَامِ، وَفِيهِ أَحَادِيثُ، مِنْهَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُثْمَانَ رضي الله عنهما قَالَ:"كَانَتْ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي آيَةِ الْجِزْيَةِ نَزَلَتْ حِينَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ بِغَزْوَةِ تَبُوكَ وَقَالَ: سَمِعْت هُشَيْمًا يَقُولُ: كَانَتْ تَبُوكُ آخِرَ غَزَاةٍ غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ أَخْذِهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَقَدْ أَخَذَهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رضي الله عنهما وَسَائِرُ الْخُلَفَاءِ دُونَ إنْكَارٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ إجْمَاعًا.
الْحِكْمَةُ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الْجِزْيَةِ: