1 -الْجِزْيَةُ عَلَامَةُ خُضُوعٍ وَانْقِيَادٍ لِحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ: 12 - قَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ: قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ} قِيلَ: مَعْنَاهُ عَنْ ذُلٍّ وَعَنْ اعْتِرَافٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ أَيْدِيَهُمْ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، وَقِيلَ عَنْ يَدٍ: أَيْ عَنْ إنْعَامٍ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَبُولَ الْجِزْيَةِ وَتَرْكَ أَنْفُسِهِمْ عَلَيْهِمْ نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ وَيَدٌ مِنْ الْمَعْرُوفِ جَزِيلَةٌ. وَقِيلَ: عَنْ يَدٍ أَيْ عَنْ قَهْرٍ وَذُلٍّ وَاسْتِسْلَامٍ كَمَا تَقُولُ: الْيَدُ فِي هَذَا لِفُلَانٍ أَيْ الْأَمْرُ النَّافِذُ لِفُلَانٍ. وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ الْبَزِّيِّ: عَنْ يَدٍ قَالَ: نَقْدًا عَنْ ظَهْرِ يَدٍ لَيْسَ بِنَسِيئَةٍ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مَنْ أَطَاعَ لِمَنْ قَهَرَهُ فَأَعْطَاهُ عَنْ غَيْرِ طِيبَةِ نَفْسِهِ، فَقَدْ أَعْطَاهَا عَنْ يَدٍ. .". وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ هَذِهِ الْمَعَانِيَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قوله تعالى: {عَنْ يَدٍ} ، فَقَالَ النَّيْسَابُورِيُّ: {عَنْ يَدٍ} إنْ أُرِيدَ بِهَا يَدُ الْمُعْطِي فَالْمُرَادُ: عَنْ يَدٍ مُؤَاتِيَةٍ غَيْرِ مُمْتَنِعَةٍ، يُقَالُ أَعْطَى بِيَدِهِ إذَا انْقَادَ وَأَصْحَبَ، أَوْ الْمُرَادُ حَتَّى يُعْطُوهَا عَنْ يَدٍ إلَى يَدٍ نَقْدًا غَيْرَ نَسِيئَةٍ وَلَا مَبْعُوثًا عَلَى يَدِ أَحَدٍ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا يَدُ الْآخِذِ فَمَعْنَاهُ حَتَّى يُعْطُوهَا عَنْ يَدٍ قَاهِرَةٍ مُسْتَوْلِيَةٍ أَيْ بِسَبَبِهَا، أَوْ الْمُرَادُ عَنْ إنْعَامٍ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ قَبُولَ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ بَدَلًا عَنْ أَرْوَاحِهِمْ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْهِمْ. وَفَسَّرَ الشَّافِعِيُّ الصَّغَارَ بِإِجْرَاءِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ قَالَ: سَمِعْت رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: الصَّغَارُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْإِسْلَامِ وَمَا أَشْبَهَ مَا قَالُوا بِمَا قَالُوا، لِامْتِنَاعِهِمْ مِنْ الْإِسْلَامِ. فَإِذَا جَرَى عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ فَقَدْ أَصَغَرُوا بِمَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنْهُ، فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ دَفْعُ الْجِزْيَةِ مِنْ الْكَافِرِينَ وَالْخُضُوعُ لِسُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ مُوجِبًا لِلصَّغَارِ."
2 -الْجِزْيَةُ وَسِيلَةٌ لِهِدَايَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ: 13 - قَالَ الْقَرَافِيُّ:"إنَّ قَاعِدَةَ الْجِزْيَةِ مِنْ بَابِ الْتِزَامِ الْمَفْسَدَةِ الدُّنْيَا لِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ الْعُلْيَا وَتَوَقُّعِ الْمَصْلَحَةِ، وَذَلِكَ هُوَ شَانُ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ، بَيَانُهُ: أَنَّ الْكَافِرَ إذَا قُتِلَ انْسَدَّ عَلَيْهِ بَابُ الْإِيمَانِ، وَبَابُ مَقَامِ سَعَادَةِ الْإِيمَانِ، وَتَحَتَّمَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ وَالْخُلُودُ فِي النَّارِ، وَغَضَبُ الدَّيَّانِ، فَشَرَعَ اللَّهُ الْجِزْيَةَ رَجَاءَ أَنْ يُسْلِمَ فِي مُسْتَقْبَلِ الْأَزْمَانِ، لَا سِيَّمَا بِاطِّلَاعِهِ عَلَى مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ". وَتَظْهَرُ هَذِهِ الْحِكْمَةُ فِي تَشْرِيعِ الْجِزْيَةِ مِنْ جَانِبَيْنِ: الْأَوَّلُ: الصَّغَارُ الَّذِي يَلْحَقُ أَهْلَ الذِّمَّةِ عِنْدَ دَفْعِ الْجِزْيَةِ. وَقَالَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ:"فَكَمَا يَقْتَرِنُ بِالزَّكَاةِ الْمَدْحُ وَالْإِعْظَامُ وَالدُّعَاءُ لَهُ، فَيَقْتَرِنُ بِالْجِزْيَةِ الذُّلُّ وَالذَّمُّ، وَمَتَى أُخِذَتْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ أَقْرَبَ إلَى أَنْ لَا يَثْبُتُوا عَلَى الْكُفْرِ لِمَا يَتَدَاخَلُهُمْ مِنْ الْأَنَفَةِ وَالْعَارِ، وَمَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْإِقْلَاعِ عَنْ الْكُفْرِ فَهُوَ أَصْلَحُ فِي الْحِكْمَةِ وَأَوْلَى بِوَضْعِ الشَّرْعِ. وَالثَّانِي: مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى دَفْعِ الْجِزْيَةِ مِنْ إقَامَةٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَاطِّلَاعٍ عَلَى مَحَاسِنِهِ. وَقَالَ الْحَطَّابُ - فِي بَيَانِ الْحِكْمَةِ: الْحِكْمَةُ فِي وَضْعِ الْجِزْيَةِ أَنَّ الذُّلَّ الَّذِي يَلْحَقُهُمْ يَحْمِلُهُمْ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ مَعَ مَا فِي مُخَالَطَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ."
13 -الْجِزْيَةُ وَسِيلَةٌ لِلتَّخَلُّصِ مِنْ الِاسْتِئْصَالِ وَالِاضْطِهَادِ:
14 -الْجِزْيَةُ نِعْمَةٌ عُظْمَى تُسْدَى لِأَهْلِ الذِّمَّةِ، فَهِيَ تَعْصِمُ أَرْوَاحَهُمْ وَتَمْنَعُ عَنْهُمْ الِاضْطِهَادَ، وَقَدْ أَدْرَكَ هَذِهِ النِّعْمَةَ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْأَوَائِلُ، فَلَمَّا رَدَّ أَبُو عُبَيْدَةُ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ حِمْصَ لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ تَوْفِيرَ الْحِمَايَةِ لَهُمْ قَالُوا لِوُلَاتِهِ:"وَاَللَّهِ لَوِلَايَتُكُمْ وَعَدْلُكُمْ، أَحَبُّ إلَيْنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ مِنْ الظُّلْمِ وَالْغَشْمِ فَقَدْ أَقَرَّ أَهْلُ"