يريد الغزو فقلت: له قد أعذر الله إليك فقال: أتت علينا سورة البعوث {انفروا خفافًا وثقالًا} وقال ابن جرير: حدثني حيان بن زيد الشرعبي قال: نفرنا مع صفوان بن عمرو وكان واليًا على حمص قبل الأفسوس إلى الجراجمة فرأيت شيخًا كبيرًا همًّا قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار فأقبلت إليه فقلت يا عم لقد أعذر الله إليك قال فرفع حاجبيه فقال يا ابن أخي استنفرنا الله خفافًا وثقالًا ألا إنه من يحبه الله يبتليه ثم يعيده الله فيبقيه وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر ولم يعبد إلا الله عز وجل. ثم رغب تعالى في النفقة في سبيله وبذل المهج في مرضاته ومرضاة رسوله فقال: {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} أي هذا خير لكم في الدنيا والاَخرة لأنكم تغرمون في النفقة قليلًا فيغنمكم الله أموال عدوكم في الدنيا مع ما يدخر لكم من الكرامة في الاَخرة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرده إلى منزله بما نال من أجر أو غنيمة ولهذا قال الله تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} ومن هذا القبيل ما رواه الإمام أحمد حدثنا محمد بن أبي عدي عن حميد عن أنس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «أسلم» قال: أجدني كارهًا قال: «أسلم وإن كنت كارهًا» .
(يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل اللّه اثاقلتم إلى الأرض. أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل. إلاّ تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم، ولا تضروه شيئًا، واللّه على كل شيء قدير. إلاّ تنصروه فقد نصره اللّه إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه: لا تحزن إن اللّه معنا، فأنزل اللّه سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة اللّه هي العليا، واللّه عزيز حكيم. انفروا خفافًا وثقالًا، وجاهدوابأموالكم وأنفسكم في سبيل اللّه. ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) . .
ذلك بدء العتاب للمتخلفين والتهديد بعاقبة التثاقل عن الجهاد في سبيل اللّه، والتذكير لهم بما كان من نصر اللّه لرسوله، قبل أن يكون معه منهم أحد، وبقدرته على إعادة هذا النصر بدونهم، فلا ينالهم عندئذ إلا إثم التخلف والتقصير.
(يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل اللّه اثاقلتم إلى الأرض؟) . .
إنها ثقلة الأرض، ومطامع الأرض، وتصورات الأرض. . ثقلة الخوف على الحياة، والخوف على المال، والخوف على اللذائذ والمصالح والمتاع. . ثقلة الدعة والراحة والاستقرار. .
ثقلة الذات الفانية والأجل المحدود والهدف القريب. . .
ثقلة اللحم والدم والتراب. .