فهرس الكتاب

الصفحة 518 من 879

والتعبير يلقي كل هذه الظلال بجرس ألفاظه: (اثاقلتم) . وهي بجرسها تمثل الجسم المسترخي الثقيل، يرفعه الرافعون في جهد فيسقط منهم في ثقل!

ويلقيها بمعنى ألفاظه: (اثاقلتم إلى الأرض) . .

وما لها من جاذبية تشد إلى أسفل وتقاوم رفرفة الأرواح وانطلاق الأشواق.

إن النفرة للجهاد في سبيل اللّه انطلاق من قيد الأرض، وارتفاع على ثقلة اللحم والدم؛ وتحقيق للمعنى العلوى في الإنسان، وتغليب لعنصر الشوق المجنح في كيانه على عنصر القيد والضرورة؛ وتطلع إلى الخلود الممتد، وخلاص من الفناء المحدود:

(أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل) .

وما يحجم ذو عقيدة في اللّه عن النفرة للجهاد في سبيله، إلا وفي هذه العقيدة دخل، وفي إيمان صاحبها بها وهن. لذلك يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -"من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من شعب النفاق". فالنفاق - وهو دخل في العقيدة يعوقها عن الصحة والكمال - هو الذي يقعد بمن يزعم أنه على عقيدة عن الجهاد في سبيل اللّه خشية الموت أو الفقر، والآجال بيد اللّه، والرزق من عند اللّه. وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل.

ومن ثم يتوجه الخطاب إليهم بالتهديد:

(إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم، ولا تضروه شيئًا، واللّه على كل شيء قدير) . .

والخطاب لقوم معينين في موقف معين. ولكنه عام في مدلوله لكل ذوي عقيدة في اللّه. والعذاب الذي يتهددهم ليس عذاب الآخرة وحده، فهو كذلك عذاب الدنيا. عذاب الذلة التي تصيب القاعدين عن الجهاد والكفاح، والغلبة عليهم للأعداء، والحرمان من الخيرات واستغلالها للمعادين؛ وهم مع ذلك كله يخسرون من النفوس والأموال أضعاف ما يخسرون في الكفاح والجهاد؛ ويقدمون على مذبح الذل أضعاف ما تتطلبه منهم الكرامة لو قدموا لها الفداء. وما من أمة تركت الجهاد إلا ضرب اللّه عليها الذل، فدفعت مرغمة صاغرة لأعدائها أضعاف ما كان يتطلبه منها كفاح الأعداء. .

(ويستبدل قومًا غيركم) . .

يقومون على العقيدة، ويؤدون ثمن العزة، ويستعلون على أعداء اللّه:

(ولا تضروه شيئًا) . .

ولا يقام لكم وزن، ولا تقدمون أو تؤخرون في الحساب!

(واللّه على كل شيء قدير) . .

لا يعجزه أن يذهب بكم، ويستبدل قومًا غيركم، ويغفلكم من التقدير والحساب!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت