فهرس الكتاب

الصفحة 544 من 879

وَدِينٌ يَمْنَعُهُمْ عَمَّا يَعْتَقِدُونَهُ قَبِيحًا مِنْ ظُلْمِ الْخَلْقِ، وَفِعْلِ الْمَحَارِمِ، فَهَذَا حَسَنٌ وَاجِبٌ، وَلَكِنْ قَدْ يَعْتَقِدُونَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ السِّيَاسَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِمَا يَفْعَلُهُ أُولَئِكَ مِنْ الْحَرَامِ، فَيَمْنَعُونَ عَنْهَا مُطْلَقًا، وَرُبَّمَا كَانَ فِي نُفُوسِهِمْ جُبْنٌ أَوْ بُخْلٌ، أَوْ ضِيقُ خُلُقٍ يَنْضَمُّ إلَى مَا مَعَهُمْ مِنْ الدِّينِ، فَيَقَعُونَ أَحْيَانًا فِي تَرْكِ وَاجِبٍ، يَكُونُ تَرْكُهُ أَضَرَّ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْضِ الْمُحَرَّمَاتِ، أَوْ يَقَعُونَ فِي النَّهْيِ عَنْ وَاجِبٍ، يَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ مِنْ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدْ يَكُونُونَ مُتَأَوِّلِينَ، وَرُبَّمَا اعْتَقَدُوا أَنَّ إنْكَارَ ذَلِكَ وَاجِبٌ، وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقِتَالِ، فَيُقَاتِلُونَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا فَعَلَتْ الْخَوَارِجُ، وَهَؤُلَاءِ لَا تَصْلُحُ بِهِمْ الدُّنْيَا وَلَا الدِّينُ الْكَامِلُ، لَكِنْ قَدْ يَصْلُحُ بِهِمْ كَثِيرٌ مِنْ أَنْوَاعِ الدِّينِ، وَبَعْضُ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَقَدْ يُعْفَى عَنْهُمْ فِيمَا اجْتَهَدُوا فِيهِ فَأَخْطَئُوا، وَيُغْفَرُ لَهُمْ قُصُورُهُمْ، وَقَدْ يَكُونُونَ مِنْ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ مَنْ لَا يَاخُذُ لِنَفْسِهِ، وَلَا يُعْطِي غَيْرَهُ، وَلَا يَرَى أَنَّهُ يَتَأَلَّفُ النَّاسَ مِنْ الْكِبَارِ وَالْفُجَّارِ، لَا بِمَالٍ وَلَا بِنَفْعٍ، وَيَرَى أَنَّ إعْطَاءَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ نَوْعِ الْجَوْرِ وَالْعَطَاءِ الْمُحَرَّمِ. الْفَرِيقُ الثَّالِثُ: الْأَمَةُ الْوَسَطُ، وَهُمْ"أَهْلُ"دِينِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَخُلَفَاؤُهُ عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ وَخَاصَّتِهِمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ إنْفَاقُ الْمَالِ وَالْمَنَافِعِ لِلنَّاسِ - وَإِنْ كَانُوا رُؤَسَاءَ - بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، إلَى صَلَاحِ الْأَحْوَالِ، وَلِإِقَامَةِ الدِّينِ، وَالدُّنْيَا الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا الدِّينُ، وَعِفَّتُهُ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَاخُذُ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ، فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ التَّقْوَى وَالْإِحْسَانِ {إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقُوا وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} وَلَا تَتِمُّ السِّيَاسَةُ الدِّينِيَّةُ إلَّا بِهَذَا، وَلَا يَصْلُحُ الدِّينُ وَالدُّنْيَا إلَّا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُطْعِمُ النَّاسَ مَا يَحْتَاجُونَ مِنْ طَعَامِهِ، وَلَا يَاكُلُ هُوَ إلَّا الْحَلَالَ الطَّيِّبَ، ثُمَّ هَذَا يَكْفِيهِ مِنْ الْإِنْفَاقِ أَقَلُّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَالْأَوَّلُونَ، فَإِنَّ الَّذِي يَاخُذُ لِنَفْسِهِ، تَطْمَعُ فِيهِ النُّفُوسُ، مَا لَا تَطْمَعُ فِي التَّعْفِيفِ، وَيَصْلُحُ بِهِ النَّاسُ فِي دِينِهِمْ مَا لَا يَصْلُحُونَ بِالثَّانِي، فَإِنَّ الْعِفَّةَ مَعَ الْقُدْرَةِ تُقَوِّي حُرْمَةَ الدِّينِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ {أَنَّ هِرَقْلَ مِلْكَ الرُّومِ، قَالَ لَهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمَاذَا يَامُرُكُمْ؟ قَالَ: يَامُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ} - وَفِي الْأَثَرِ: {أَنَّ اللَّه أَوْحَى إلَى إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عليه الصلاة والسلام: يَا إبْرَاهِيمُ أَتَدْرِي لِمَ اتَّخَذْتُكَ خَلِيلًا؟ لِأَنِّي رَأَيْتُ الْعَطَاءَ أَحَبَّ إلَيْكَ مِنْ الْأَخْذِ} . هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الرِّزْقِ، وَالْعَطَاءِ، الَّذِي هُوَ السَّخَاءُ، وَبَذْلُ الْمَنَافِعِ، نَظِيرُهُ فِي الصَّبْرِ وَالْغَضَبِ، الَّذِي هُوَ الشَّجَاعَةُ وَدَفْعُ الْمَضَارِّ. إنَّ النَّاسَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَغْضَبُونَ لِنُفُوسِهِمْ وَلِرَبِّهِمْ، وَقِسْمٌ لَا يَغْضَبُونَ لِنُفُوسِهِمْ وَلَا لِرَبِّهِمْ، وَالثَّالِثُ - وَهُوَ الْوَسَطُ - أَنْ يَغْضَبَ لَا لِنَفْسِهِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: {مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ: خَادِمًا لَهُ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا دَابَّةً، وَلَا شَيْئًا قَطُّ، إلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَانْتَقَمَ لِنَفْسِهِ قَطُّ، إلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرُمَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا اُنْتُهِكَتْ حُرُمَاتُ اللَّهِ، لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَقِمَ لِلَّهِ} . فَأَمَّا مَنْ يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ لَا لِرَبِّهِ، أَوْ يَاخُذُ لِنَفْسِهِ وَلَا يُعْطِي غَيْرَهُ، فَهَذَا الْقِسْمُ الرَّابِعُ، شَرُّ الْخَلْقِ، لَا يَصْلُحُ بِهِمْ دِينٌ وَلَا دُنْيَا، كَمَا أَنَّ الصَّالِحِينَ أَرْبَابَ السِّيَاسَةِ الْكَامِلَةِ، هُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت