الَّذِينَ قَامُوا بِالْوَاجِبَاتِ وَتَرَكُوا الْمُحَرَّمَاتِ، وَهُمْ الَّذِينَ يُعْطُونَ مَا يُصْلِحُ الدِّينَ بِعَطَائِهِ، وَلَا يَاخُذُونَ إلَّا مَا أُبِيحَ لَهُمْ، وَيَغْضَبُونَ لِرَبِّهِمْ إذَا اُنْتُهِكَتْ مَحَارِمُهُ وَيَعْفُونَ عَنْ حُظُوظِهِمْ، وَهَذَا أَخْلَاقُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَذْلِهِ وَدَفْعِهِ وَهِيَ أَكْمَلُ الْأُمُورِ، وَكُلَّمَا كَانَ إلَيْهَا أَقْرَبَ، كَانَ أَفْضَلَ، فَلْيَجْتَهِدْ الْمُسْلِمُ فِي الْقُرْبِ إلَيْهَا بِجَهْدٍ، وَيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قُصُورِهِ أَوْ تَقْصِيرِهِ بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ كَمَالَ مَا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم مِنْ الدِّينِ، فَهَذَا فِي قَوْلِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:
{إنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا} وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
اسْتِنْفَارٌ التَّعْرِيفُ:
1 -الِاسْتِنْفَارُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ: اسْتَنْفَرَ، مِنْ نَفَرَ الْقَوْمُ"نَفِيرًا"أَيْ أَسْرَعُوا إلَى الشَّيْءِ، وَأَصْلُ النَّفِيرِ مُفَارَقَةُ مَكَان إلَى مَكَان آخَرَ لِأَمْرٍ حَرَّكَ ذَلِكَ، وَيُقَالُ لِلْقَوْمِ النَّافِرِينَ لِحَرْبٍ أَوْ لِغَيْرِهَا: نَفِيرٌ، تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ. 2 - وَفِي الِاصْطِلَاحِيِّ الشَّرْعِيِّ: الْخُرُوجُ إلَى قِتَالِ الْعَدُوِّ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بِدَعْوَةٍ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ. وَلَكِنْ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ. الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ بِهِ: الِاسْتِنْجَادُ: 3 - الِاسْتِنْجَادُ: وَهُوَ طَلَبُ الْعَوْنِ مِنْ الْغَيْرِ. يُقَالُ: اسْتَنْجَدَهُ فَأَنْجَدَهُ، أَيْ اسْتَعَانَ بِهِ فَأَعَانَهُ.
الْحُكْمُ الْإِجْمَالِيُّ):
4 -لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ الْخُرُوجَ إلَى الْجِهَادِ فَرْضٌ، مُنْذُ شُرِعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي نَوْعِ الْفَرْضِيَّةِ فِي عَهْدِهِ صلى الله عليه وسلم فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَهُمْ إلَى أَنَّ النَّفِيرَ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ فِي عَهْدِهِ صلى الله عليه وسلم. أَمَّا كَوْنُهُ فَرْضًا فَبِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، إلَى قوله تعالى: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} . وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ الْحَقَّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَاضَلَ بَيْنَ الْقَاعِدِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ وَعَدَ كِلَيْهِمَا الْحُسْنَى. وَالْعَاصِي لَا يُوعَدُ بِهَا، وَلَا يُفَاضَلُ بَيْنَ مَاجُورٍ وَمَازُورٍ، فَكَانُوا غَيْرَ عَاصِينَ بِقُعُودِهِمْ. وَقِيلَ: كَانَ النَّفِيرُ فِي عَهْدِهِ صلى الله عليه وسلم فَرْضُ عَيْنٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ غَيْرِ الْمَعْذُورِينَ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ، لقوله تعالى: {إلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} . إلَى قوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} . وَقَالُوا: إنَّ الْقَاعِدِينَ الْمُشَارَ إلَيْهِمْ بِآيَةِ سُورَةِ النِّسَاءِ كَانُوا حُرَّاسًا عَلَى الْمَدِينَةِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْجِهَادِ. وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ أُخْرَى: يُرْجَعُ إلَيْهَا فِي مُصْطَلَحِ: (جِهَادٌ) . أَمَّا بَعْدَ عَهْدِهِ صلى الله عليه وسلم فَلِلْعَدُوِّ حَالَتَانِ: 5 - أَنْ يَكُونَ فِي بِلَادِهِ مُسْتَقِرًّا، وَلَمْ يَقْصِدْ إلَى شَيْءٍ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ: اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ النَّفِيرَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إذَا قَامَ بِهِ فَرِيقٌ مِنْ النَّاسِ مَرَّةً فِي السَّنَةِ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنْ الْبَاقِينَ، أَمَّا الْفَرْضِيَّةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم {الْجِهَادُ مَاضٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} . وَأَمَّا كَوْنُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُفْرَضْ لِذَاتِهِ وَإِنَّمَا