فُرِضَ لِإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْحَقِّ، وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنْ الْعِبَادِ، فَإِذَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِالْبَعْضِ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنْ الْبَاقِينَ، بَلْ إذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَحْصُلَ بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ وَالدَّعْوَةِ بِغَيْرِ جِهَادٍ كَانَ أَوْلَى مِنْ الْجِهَادِ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ أَحَدٌ أَثِمَ الْجَمِيعُ بِتَرْكِهِ. 6 - أَمَّا إذَا دَهَمَ الْعَدُوُّ بَلَدًا مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ النَّفِيرُ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ، وَمَنْ بِقُرْبِهِمْ وُجُوبًا عَيْنِيًّا، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ، حَتَّى الْفَقِيرِ، وَالْوَلَدِ، وَالْعَبْدِ، وَالْمَرْأَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ بِلَا إذْنٍ مِنْ: الْأَبَوَيْنِ، وَالسَّيِّدِ، وَالدَّائِنِ، وَالزَّوْجِ. فَإِنْ عَجَزَ أَهْلُ الْبَلَدِ وَمَنْ بِقُرْبِهِمْ عَنْ الدِّفَاعِ فَعَلَى مَنْ يَلِيهِمْ، إلَى أَنْ يُفْتَرَضَ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَرْضَ عَيْنٍ كَالصَّلَاةِ تَمَامًا عَلَى هَذَا التَّدْرِيجِ. 7 - وَكَذَلِكَ يَكُونُ النَّفِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مَنْ يُسْتَنْفَرُ مِمَّنْ لَهُ حَقُّ الِاسْتِنْفَارِ كَالْإِمَامِ أَوْ نُوَّابِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَخَلَّفَ إذَا دَعَاهُ دَاعِي النَّفِيرِ، إلَّا مَنْ مَنَعَهُ الْإِمَامُ مِنْ الْخُرُوجِ، أَوْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى تَخَلُّفِهِ لِحِفْظِ الْأَهْلِ أَوْ الْمَالِ، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ} .
مَوَاضِعُ الْمَشَقَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الشَّرِيعَةِ:
الْيُسْرُ وَإِنْ كَانَ هُوَ الصِّبْغَةُ الْعَامَّةُ لِلشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي أَحْكَامِهَا، إلَّا أَنَّ فِيهَا أَحْكَامًا فِيهَا نَوْعٌ مِنْ الْمَشَقَّةِ لِدَوَاعٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ، مِنْهَا: 25 - أَوَّلًا: أَنْ تَكُونَ الْمَصْلَحَةُ الَّتِي تُرْجَى مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْمَحْكُومِ فِيهِ مَصْلَحَةً عَظِيمَةً لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهَا إلَّا بِتَعَرُّضِ الْبَعْضِ لِلْمَشَاقِّ، كَإِنْقَاذِ الْغَرْقَى وَالْحَرْقَى وَالْهَدْمَى، فَإِنَّ الَّذِي يَتَصَدَّى لِذَلِكَ قَدْ يَتَعَرَّضُ لِأَخْطَارٍ جَسِيمَةٍ، وَكَذَلِكَ دَرْءُ الْمَفَاسِدِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ دَرْؤُهَا إلَّا بِتَعَرُّضِ الْبَعْضِ لِلْمَشَاقِّ، كَالْجِهَادِ لِدَفْعِ الْمُعْتَدِينَ عَلَى الدِّيَارِ، وَالْأَعْرَاضِ، وَالْحُقُوقِ، فَكُلُّ ذَلِكَ يُعَرِّضُ حَيَاةَ الْقَائِمِ بِهِ لِلْأَخْطَارِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مَطْلُوبٌ شَرْعًا لقوله تعالى {: انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وَقَوْلُهُ: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} وَمَا وَرَدَ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ قَالَ: {بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا، وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا، وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا} . 26 - ثَانِيًا: حَالَاتٌ مِنْ الِاحْتِيَاطِ فِيهَا نَوْعٌ مِنْ الْعُسْرِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ غَالِبًا اطْمِئْنَانُ الْمُكَلَّفِ إلَى خُرُوجِهِ مِنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِيَقِينٍ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتَذَكَّرَ أَنَّهُ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَدْرِي، أَيِّ الْخَمْسِ هِيَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ الْخَمْسَ، أَوْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ لَا يَدْرِي أَهِيَ الظُّهْرُ أَمْ الْعَصْرُ، فَيَقْضِيهِمَا، وَإِذَا تَعَارَضَ دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَالْآخَرُ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ، يَغْلِبُ التَّحْرِيمُ مَعَ أَنَّ الْإِبَاحَةَ أَيْسَرُ، وَلَوْ اشْتَبَهَتْ مَحْرَمٌ بِأَجْنَبِيَّاتٍ مَحْصُورَاتٍ لَمْ تَحِلَّ أَيُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، أَوْ اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ لَمْ يَجُزْ تَنَاوُلُ شَيْءٍ مِنْهُمَا. لَكِنْ إنْ وَصَلَ الْأَمْرُ بِالِاحْتِيَاطِ إلَى الْعُسْرِ وَالْحَرَجِ، فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى تَغْلِيبِ قَاعِدَةِ رَفْعِ الْحَرَجِ، فَلَوْ كَانَ النِّسْوَةُ اللَّاتِي اخْتَلَطَتْ بِهِنَّ مَحْرَمُهُ غَيْرَ مَحْصُورَاتٍ بِأَنْ اخْتَلَطَتْ بِنِسَاءِ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ، فَلَهُ النِّكَاحُ مِنْهُنَّ، وَلَوْ اخْتَلَطَ حَمَامٌ مَمْلُوكٌ بِحَمَامٍ مُبَاحٍ لَا يَنْحَصِرُ جَازَ لَهُ الصَّيْدُ. وَلَوْ اخْتَلَطَ فِي الْبَلَدِ حَرَامٌ لَا يَنْحَصِرُ لَمْ يَحْرُمْ الشِّرَاءُ مِنْهُ، بَلْ