يَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْهُ، إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ عَلَامَةٌ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْحَرَامِ. وَرُبَّمَا غَلَّبَ الْبَعْضُ قَاعِدَةَ الِاحْتِيَاطِ عَلَى قَاعِدَةِ رَفْعِ الْحَرَجِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ.
تَدَرُّجُ مَشْرُوعِيَّةِ الْجِهَادِ:
5 -الْجِهَادُ مَشْرُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ، لقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ} إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ، وَلِفِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم وَأَمْرِهِ بِهِ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ: {مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ} . وَقَدْ كَانَ الْجِهَادُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ الْهِجْرَةِ غَيْرَ مَاذُونٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ صلى الله عليه وسلم أَوَّلَ الْأَمْرِ هُوَ التَّبْلِيغُ وَالْإِنْذَارُ، وَالصَّبْرُ عَلَى أَذَى الْكُفَّارِ، وَالصَّفْحُ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الْمُشْرِكِينَ، وَبَدَأَ الْأَمْرَ بِالدَّعْوَةِ سِرًّا ثُمَّ جَهْرًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} وَقَالَ أَيْضًا: {اُدْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّك بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وَقَالَ أَيْضًا: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ} ثُمَّ أَذِنَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْقِتَالِ إذَا ابْتَدَأَهُمْ الْكُفَّارُ بِالْقِتَالِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ. وَذَلِكَ فِي قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} . ثُمَّ شَرَعَ اللَّهُ الِابْتِدَاءَ بِالْقِتَالِ عَلَى الْإِطْلَاقِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} وَقَوْلِهِ: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} وَتُسَمَّى هَذِهِ آيَةُ السَّيْفِ، وَقِيلَ: هِيَ قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ} . وَالْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُتْرَكَ الْجِهَادُ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً عَلَى الْأَقَلِّ. وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يُوَجِّهَ الْإِمَامُ كُلَّ سَنَةٍ طَائِفَةً، وَيَزُجَّ بِنَفْسِهِ مَعَهَا أَوْ يُخْرِجَ بَدَلَهُ مَنْ يَثِقُ بِهِ؛ لِيَدْعُوَ الْكُفَّارَ لِلْإِسْلَامِ، وَيُرَغِّبَهُمْ فِيهِ، ثُمَّ يُقَاتِلَهُمْ إذَا أَبَوْا؛ لِأَنَّ فِي تَعْطِيلِهِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ مَا يُطَمِّعُ الْعَدُوَّ فِي الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ فِي السَّنَةِ إلَى أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ وَجَبَ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ فَوَجَبَ مِنْهُ مَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ، فَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى تَاخِيرِهِ لِضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ قِلَّةِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي قِتَالِهِمْ مِنْ الْعُدَّةِ، أَوْ الْمَدَدِ الَّذِي يَسْتَعِينُ بِهِ، أَوْ يَكُونُ الطَّرِيقُ إلَيْهِمْ فِيهَا مَانِعٌ، أَوْ لَيْسَ هُنَا مُؤَنٌ، أَوْ لِلطَّمَعِ فِي إسْلَامِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْذَارِ، جَازَ تَاخِيرُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَالَحَ قُرَيْشًا عَشْرَ سِنِينَ، وَأَخَّرَ قِتَالَهُمْ حَتَّى نَقَضُوا الْهُدْنَةَ، وَأَخَّرَ قِتَالَ غَيْرِهِمْ مِنْ الْقَبَائِلِ بِغَيْرِ هُدْنَةٍ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ يُرْجَى مِنْ النَّفْعِ بِتَاخِيرِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يُرْجَى مِنْ النَّفْعِ بِتَقْدِيمِهِ وَجَبَ تَاخِيرُهُ. فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مَا يَدْعُو إلَى تَاخِيرِ الْجِهَادِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْهُ؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْت أَنْ أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلَ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلَ} . وَرُوِيَ أَنَّ {النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم غَزَا سَبْعًا وَعِشْرِينَ غَزْوَةً، وَبَعَثَ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَرِيَّةً} .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْجِهَادِ: 7 - الْجِهَادُ فَرْضٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} ، وقوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: الْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ إلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي