الدَّجَّالَ. وَالْمُرَادُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ فَرْضٌ بَاقٍ؛ لِأَنَّ الْمُضِيَّ مَعْنَاهُ النَّفَاذُ، وَالنَّفَاذُ إنَّمَا هُوَ فِي الْفَرْضِ مِنْ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّ النَّدْبَ وَالْإِبَاحَةَ لَا يَجِبُ فِيهِمَا الِامْتِثَالُ وَالنَّفَاذُ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْجِهَادَ فَرْضُ كِفَايَةٍ مَعَ الْخَوْفِ، وَنَافِلَةٌ مَعَ الْأَمْنِ. 8 - ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْفَرْضِيَّةِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ كَسْرُ شَوْكَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَإِعْزَازُ الدِّينِ. وَمَعْنَى الْكِفَايَةِ فِي الْجِهَادِ أَنْ يَنْهَضَ إلَيْهِ قَوْمٌ يَكْفُونَ فِي جِهَادِهِمْ، إمَّا أَنْ يَكُونُوا جُنْدًا لَهُمْ دَوَاوِينُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، أَوْ يَكُونُوا أَعَدُّوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ تَطَوُّعًا بِحَيْثُ إذَا قَصَدَهُمْ الْعَدُوُّ حَصَلَتْ الْمَنَعَةُ بِهِمْ، وَيَكُونُ فِي الثُّغُورِ مَنْ يَدْفَعُ الْعَدُوَّ عَنْهَا، وَيَبْعَثُ فِي كُلِّ سَنَةٍ جَيْشًا يُغِيرُونَ عَلَى الْعَدُوِّ فِي بِلَادِهِمْ. وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ: مَا قُصِدَ حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا وَاحِدٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، كَرَدِّ السَّلَامِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ. فَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِالْوَاجِبِ مَنْ يَكْفِي، أَثِمَ النَّاسُ كُلُّهُمْ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلٍّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ} . وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى، وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ الْجِهَادَ مَا فُرِضَ لِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا فُرِضَ لِإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ، وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنْ الْعِبَادِ. وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَامَنَ الْمُسْلِمُونَ، وَيَتَمَكَّنُوا مِنْ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. فَإِذَا اشْتَغَلَ الْكُلُّ بِالْجِهَادِ لَمْ يَتَفَرَّغُوا لِلْقِيَامِ بِمَصَالِحِ دُنْيَاهُمْ. وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَارَةً يَخْرُجُ، وَتَارَةً يَبْعَثُ غَيْرَهُ، حَتَّى قَالَ: {وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِمْ، مَا تَخَلَّفْت عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْدُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَاعِدِينَ غَيْرُ آثِمِينَ مَعَ جِهَادِ غَيْرِهِمْ، فَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ كُلًّا الْحُسْنَى، وَالْعَاصِي لَا يُوعَدُ بِهَا، وَلَا تَفَاضُلَ بَيْنَ مَاجُورٍ وَمَازُورٍ. وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رضي الله عنه {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ إلَى بَنِي لِحْيَانَ، وَقَالَ: لِيَخْرُجْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ رَجُلٌ، ثُمَّ قَالَ لِلْقَاعِدِينَ: أَيُّكُمْ خَلَفَ الْخَارِجَ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ بِخَيْرٍ كَانَ لَهُ مِثْلُ نِصْفِ أَجْرِ الْخَارِجِ} ". وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: إنَّ الْجِهَادَ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ.: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . وَقَوْلُهُ: {إلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} . وَقَوْلُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ} . وَأَنَّ الْقَاعِدِينَ الْمَوْعُودِينَ بِالْحُسْنَى كَانُوا حُرَّاسًا، أَيْ كَانُوا مِنْ هَذَيْنِ كَذَلِكَ."
مَتَى يَصِيرُ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ؟
9 -ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّهُ يَصِيرُ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ فِي كُلٍّ مِنْ الْحَالَاتِ الْآتِيَةِ: أ - إذَا الْتَقَى الزَّحْفَانِ، وَتَقَابَلَ الصَّفَّانِ، حُرِّمَ عَلَى مَنْ حَضَرَ الِانْصِرَافُ، وَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْمُقَامُ، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} . . . إلَى قَوْلِهِ: {وَاصْبِرُوا، إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}