ب - إذَا هَجَمَ الْعَدُوُّ عَلَى قَوْمٍ بَغْتَةً، فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ الدَّفْعُ وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا، أَوْ هَجَمَ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ، وَلَيْسَ لَهُمْ قُدْرَةٌ عَلَى دَفْعِهِ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ كَانَ بِمَكَانٍ مُقَارِبٍ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ إنْ عَجَزَ مَنْ فَجَأَهُمْ الْعَدُوُّ عَنْ الدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَمَحَلُّ التَّعَيُّنِ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ إنْ لَمْ يَخْشَوْا عَلَى نِسَائِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ مِنْ عَدُوٍّ بِتَشَاغُلِهِمْ بِمُعَاوَنَةِ مَنْ فَجَأَهُمْ الْعَدُوُّ، وَإِلَّا تَرَكُوا إعَانَتَهُمْ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُعْتَبَرُ مَنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ الْبَلْدَةِ كَأَهْلِهَا، وَمَنْ عَلَى الْمَسَافَةِ يَلْزَمُهُ الْمُوَافَقَةُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ إنْ لَمْ يَكْفِ أَهْلُهَا، وَمَنْ يَلِيهِمْ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَفْجَاهُمْ الْعَدُوُّ فَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ، يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمُقِلُّ مِنْهُمْ وَالْمُكْثِرُ. وَمَعْنَاهُ: أَنَّ النَّفِيرَ يَعُمُّ جَمِيعَ النَّاسِ مِمَّنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ حِينَ الْحَاجَةِ لِمَجِيءِ الْعَدُوِّ إلَيْهِمْ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ التَّخَلُّفُ إلَّا مَنْ يَحْتَاجُ إلَى تَخَلُّفِهِ لِحِفْظِ الْمَكَانِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ، وَمَنْ يَمْنَعُهُ الْأَمِيرُ مِنْ الْخُرُوجِ، أَوْ مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْخُرُوجِ أَوْ الْقِتَالِ. وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ أَرَادُوا الرُّجُوعَ إلَى مَنَازِلِهِمْ يَوْمَ الْأَحْزَابِ فَقَالَ: {وَيَسْتَاذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلَّا فِرَارًا} . ج - إذَا اسْتَنْفَرَ الْإِمَامُ قَوْمًا لَزِمَهُمْ النَّفِيرُ مَعَهُ إلَّا مَنْ لَهُ عُذْرٌ قَاطِعٌ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاع الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلَّا قَلِيلٌ} . وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا} وَذَلِكَ لِأَنَّ أَمْرَ الْجِهَادِ مَوْكُولٌ إلَى الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ، وَيَلْزَمُ الرَّعِيَّةَ طَاعَتُهُ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ. وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْجِهَادُ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ وَلَوْ لِصَبِيٍّ مُطِيقٍ لِلْقِتَالِ أَوْ امْرَأَةٍ، وَتَعْيِينُ الْإِمَامِ إلْجَاؤُهُ إلَيْهِ وَجَبْرُهُ عَلَيْهِ، كَمَا يَلْزَمُ بِمَا فِيهِ صَلَاحُ حَالِهِ، لَا بِمَعْنَى عِقَابِهِ عَلَى تَرْكِهِ، فَلَا يُقَالُ: إنَّ تَوَجُّهَ الْوُجُوبِ لِلصَّبِيِّ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ.
سَرِيَّةٌ التَّعْرِيفُ:
1 -فِي اللُّغَةِ: السَّرِيَّةُ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ: قِطْعَةٌ مِنْ الْجَيْشِ. فَعَيْلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ. مِنْ سَرَى فِي اللَّيْلِ وَأَسْرَى: إذَا ذَهَبَ فِيهِ. وَالْجَمْعُ سَرَايَا، وَسَرِيَّاتٌ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ: فِرْقَةٌ مِنْ الْجَيْشِ أَقْصَاهَا أَرْبَعُمِائَةٍ، يَبْعَثُهَا الْأَمِيرُ لِقِتَالِ الْعَدُوِّ، أَوْ التَّجَسُّسِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَسُمِّيَتْ سَرِيَّةً لِأَنَّهُمْ يُسِرُّونَ بِاللَّيْلِ وَيَكْمُنُونَ بِالنَّهَارِ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ. (الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ) : الْجَيْشُ، وَنَحْوُهُ: 2 - الْجَيْشُ مَا زَادَ عَلَى ثَمَانِمِائَةٍ، وَالْجَحْفَلُ: مَا زَادَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَالْخَمِيسُ: هُوَ الْجَيْشُ الْعَظِيمُ، وَالْبَعْثُ: هُوَ مَا تَفَرَّعَ عَنْ السَّرِيَّةِ، وَالْكَتِيبَةُ: هِيَ مَا اجْتَمَعَ، وَلَمْ يَنْتَشِرْ.
(الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ) :
3 -خُرُوجُ الْمُجَاهِدِينَ لِإِعْزَازِ الدِّينِ، وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنْ الْعِبَادِ وَحِمَايَةِ الْبَيْضَةِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَمِنْ أَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ إلَى اللَّهِ. وَقَدْ حَثَّ الْقُرْآنُ عَلَى الْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ عَزَّ مَنْ قَائِلٍ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ