الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلَّا قَلِيلٌ إلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَقَالَ جَلَّ شَانُهُ: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنْ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} . وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِلَيْلَةٍ أَفْضَلَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ: حَارِسٌ حَرَسَ فِي أَرْضِ خَوْفٍ لَعَلَّهُ أَنْ لَا يَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ} وَدَاوَمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَعْثِ السَّرَايَا حَتَّى بَلَغَتْ سَرَايَاهُ الَّتِي بَعَثَهَا سَبْعًا وَأَرْبَعِينَ سَرِيَّةً. وَأَمْرُ بَعْثِ السَّرَايَا مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، وَإِلَى مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ مِنْ أُمَرَاءِ الْجَيْشِ.
ج - (آدَابُهُ) :
5 -ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ آدَابًا كَثِيرَةً يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَلَّى بِهَا قَائِدُ الْجَيْشِ نُلَخِّصُهَا فِيمَا يَاتِي: (1) الرِّفْقُ بِالْجُنُودِ فِي السَّيْرِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَضْعَفُهُمْ وَيَحْفَظُ بِهِ قُوَّةَ أَقْوَاهُمْ، وَلَا يَجِدُّ فِي السَّيْرِ فَيُهْلِكَ الضَّعِيفَ، وَيَسْتَفْرِغَ جَلَدَ الْقَوِيِّ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ. صلى الله عليه وسلم: {إنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى} . لَكِنْ إنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الْجَدِّ فِي السَّيْرِ جَازَ لَهُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَدَّ فِي السَّيْرِ جَدًّا شَدِيدًا حِينَ بَلَغَهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، لِيُشْغِلَ النَّاسَ عَنْ الْخَوْضِ فِي كَلَامِ ابْنِ أُبَيٍّ. (2) أَنْ يَتَفَقَّدَ أَحْوَالَهُمْ وَأَحْوَالَ مَا يَمْتَطُونَهُ مِنْ دَوَابَّ وَمَرْكَبَاتٍ، فَيُخْرِجَ مِنْهَا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى السَّيْرِ، وَيَمْنَعَ مَنْ يَحْمِلُ عَلَيْهَا مَا يَزِيدُ عَنْ طَاقَتِهَا، كَمَا يَمْنَعُ مَا يُظْهِرُ الْجَيْشَ الْإِسْلَامِيَّ بِمَظْهَرِ الضَّعْفِ وَالْوَهَنِ، لقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} . (3) أَنْ يُرَاعِيَ أَحْوَالَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَهُمْ صِنْفَانِ: (أ) أَصْحَابُ الدِّيوَانِ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ وَالْجِهَادِ: (الْجُنُودُ النِّظَامِيُّونَ) الَّذِينَ يُفْرَضُ لَهُمْ الْعَطَاءُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. (ب) الْمُتَطَوِّعَةُ، وَهُمْ الْخَارِجُونَ عَنْ الدِّيوَانِ مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي وَالْأَعْرَابِ وَسُكَّانِ الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ الَّذِينَ خَرَجُوا فِي النَّفِيرِ الْعَامِّ، اتِّبَاعًا لقوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . (4) أَنْ يُعَرِّفَ عَلَى الْجُنُودِ الْعُرَفَاءَ، وَيُنَقِّبَ عَلَيْهِمْ النُّقَبَاءَ، لِيَعْرِفَ مِنْ عُرَفَائِهِمْ وَنُقَبَائِهِمْ أَحْوَالَهُمْ، وَيَقْرَبُونَ عَلَيْهِ إذَا دَعَاهُمْ، لِفِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَغَازِيهِ. (5) أَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ الْجَيْشِ شِعَارًا يَتَدَاعَوْنَ إلَيْهِ، لِيَصِيرُوا مُتَمَيِّزِينَ بِهِ، وَبِالِاجْتِمَاعِ فِيهِ مُتَظَافِرِينَ، لِمَا رَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما عَنْ أَبِيهِ {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ شِعَارَ الْمُهَاجِرِينَ - يَوْمَ بَدْرٍ - يَا بَنِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَشِعَارَ الْخَزْرَجِ يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ، وَشِعَارَ الْأَوْسِ يَا بَنِي عُبَيْدِ اللَّهِ، وَسَمَّى خَيْلَهُ خَيْلَ اللَّهِ} . (6) أَنْ يَتَصَفَّحَ الْجَيْشَ وَمَنْ فِيهِ لِيُخْرِجَ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ فِيهِ تَخْذِيلٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِرْجَافٌ لِلْمُجَاهِدَيْنِ، أَوْ عَيْنًا عَلَيْهِمْ لِلْمُشْرِكِينَ. (7) أَنْ يَحْرُسَ جُنُودَهُ