مِنْ غِرَّةٍ وَخُدْعَةٍ يَظْفَرُ بِهَا الْعَدُوُّ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَتَبَّعَ الْمَكَامِنَ فَيَحْفَظَهَا عَلَيْهِمْ، وَيُحَوِّطَ أَسْوَارَهُمْ بِحَرَسٍ يَامَنُونَ بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَرِحَالِهِمْ، لِيَسْكُنُوا فِي وَقْتِ الدَّعَةِ، وَيَامَنُوا مَا وَرَاءَهُمْ فِي وَقْتِ الْمُحَارَبَةِ. (8) أَنْ يَتَخَيَّرَ لِجُنُودِهِ الْمَنَازِلَ لِمُحَارَبَةِ عَدُوِّهِمْ لِيَكُونَ أَعْوَنَ لَهُمْ عَلَى الْمُنَازَلَةِ. (9) أَنْ يُعِدَّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْجَيْشُ مِنْ زَادٍ وَعَلَفٍ، وَوُقُودٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ لِيُوَزَّعَ عَلَيْهِمْ فِي أَوْقَاتِ الْحَاجَةِ حَتَّى تَسْكُنَ نُفُوسُهُمْ إلَى مَا يَسْتَغْنُونَ بِهِ عَنْ الطَّلَبِ، لِيَكُونُوا عَلَى الْحَرْبِ أَوْفَرَ، وَعَلَى مُنَازَلَةِ الْعَدُوِّ أَقْدَرَ. (10) أَنْ يَعْرِفَ أَخْبَارَ عَدُوِّهِ حَتَّى يَقِفَ عَلَيْهِمْ وَيَتَصَفَّحَ أَحْوَالَهُمْ، فَيَامَنَ مَكْرَهُمْ، وَيَلْتَمِسَ الْغِرَّةَ فِي الْهُجُومِ عَلَيْهِمْ. (11) أَنْ يُرَتَّبَ الْجَيْشَ فِي مَصَافِّ الْحَرْبِ، وَأَنْ يُعَوِّلَ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ عَلَى مَنْ يَرَاهُ كُفْئًا لَهَا، وَيُرَاعِيَ كُلَّ جِهَةٍ يَمِيلُ الْعَدُوُّ عَلَيْهَا بِمَدَدٍ يَكُونُ عَوْنًا لَهَا. (12) أَنْ يُقَوِّيَ نُفُوسَهُمْ بِمَا يُشْعِرُهُمْ الظَّفَرَ، وَيُخَيِّلَ لَهُمْ مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ لِيَقِلَّ الْعَدُوُّ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَيَكُونُوا عَلَيْهِ أَجْرَأَ، قَالَ تَعَالَى: {إذْ يُرِيكَهُمْ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ} . (13) أَنْ يَعِدَ أَهْلَ الصَّبْرِ وَالْبَلَاءِ مِنْهُمْ بِثَوَابٍ فِي الْآخِرَةِ، وَالنَّفَلِ مِنْ الْغَنِيمَةِ فِي الدُّنْيَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} . (14) أَنْ يُشَاوِرَ ذَوِي الرَّايِ مِنْ الْجَيْشِ فِيمَا أَعْضَلَ مِنْ الْأُمُورِ، وَيَرْجِعَ إلَى أَهْلِ الْحَزْمِ فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ، لِيَامَنَ مِنْ الْخَطَأِ، وَيَسْلَمَ مِنْ الزَّلَلِ، فَيَكُونَ مِنْ الظَّفَرِ أَقْرَبَ، لقوله تعالى لِنَبِيِّهِ {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} ، فَقَدْ أَمَرَهُ بِالْمُشَاوَرَةِ مَعَ مَا أَمَدَّهُ مِنْ التَّوْفِيقِ وَأَعَانَهُ مِنْ التَّايِيدِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ الْآخَرُونَ. (15) أَنْ يَاخُذَ جَيْشَهُ بِمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ حُقُوقِهِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُمْ تَجَوُّزٌ فِي الدِّينِ. (16) أَنْ لَا يُمَكِّنَ أَحَدًا مِنْ جَيْشِهِ أَنْ يَتَشَاغَلَ بِتِجَارَةٍ، أَوْ زِرَاعَةٍ يَصْرِفُهُ الِاهْتِمَامُ بِهَا عَنْ مُصَابَرَةِ الْعَدُوِّ. (17) أَنْ يَدْخُلَ دَارَ الْحَرْبِ بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَأَرْهَبُ، وَلِيَكُونَ قُدْوَةً لِجُنُودِهِ. (18) أَنْ يُكْثِرَ مِنْ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْتِقَاءِ الصَّفَّيْنِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {سَاعَتَانِ تُفْتَحُ فِيهِمَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ: عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ، وَعِنْدَ الصَّفِّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . (19) أَنْ يَسْتَنْصِرَ بِضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ} . (20) أَنْ يُكَبِّرَ - أَثْنَاءَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ - بِلَا إسْرَافٍ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ. (21) أَنْ يَخْرُجَ بِهِمْ يَوْمَ الْخَمِيسِ أَوَّلَ النَّهَارِ إنْ أَمْكَنَ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ. (22) أَنْ يَعْرِضَ الْإِسْلَامَ عَلَى الْكُفَّارِ قَبْلَ بَدْءِ الْقِتَالِ مَعَهُمْ إنْ عَلِمَ أَنَّ الدَّعْوَةَ لَمْ تَبْلُغْهُمْ، {لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ اُدْعُهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ} .
كَيْفَ تُفَضِّلُ فَرْضَ الْجِهَادِ.
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) رحمه الله تعالى قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ، وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} مَعَ مَا أَوْجَبَ مِنْ الْقِتَالِ فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِهِ، وَقَدْ وَصَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْأَحْرَارِ