فهرس الكتاب

الصفحة 567 من 879

أُبَيٍّ - وَقَدْ وُضِعَ فِي حُفْرَتِهِ - فَوَقَفَ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ حُفْرَتِهِ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: فَهَذَا كُلُّهُ يُوجِبُ صِحَّةَ مَا قُلْنَاهُ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا - ظَاهِرُ الْآيَةِ كَمَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُمْ كَفَرُوا قَبْلُ، وَمَاتُوا عَلَى الْفِسْقِ. وَالثَّانِي - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ نَهَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم وَالْمُؤْمِنِينَ عَنْ الِاسْتِغْفَارِ جُمْلَةً لِلْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} إلَى قوله تعالى {أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} فَلَوْ كَانَ ابْنُ أُبَيٍّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَذْكُورِينَ مِمَّنْ تَبَيَّنَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُمْ كُفَّارٌ - بِلَا شَكٍّ - لَمَا اسْتَغْفَرَ لَهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وَلَا صَلَّى عَلَيْهِ. وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَظُنَّ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ خَالَفَ رَبَّهُ فِي ذَلِكَ، فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ - عليه السلام - لَمْ يَعْلَمْ قَطُّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَالْمَذْكُورِينَ كُفَّارٌ فِي الْبَاطِنِ؟ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ نا يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بْنِ حَوْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: {لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَا عَمِّ قُلْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ؟ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدَانِ عَلَيْهِ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ، آخِرُ مَا كَلَّمَهُمْ بِهِ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَا وَاَللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا} الْآيَةَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَصَحَّ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الِاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ نَزَلَ بِمَكَّةَ - بِلَا شَكٍّ - فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ - عليه السلام - لَمْ يُوقِنْ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ مُشْرِكٌ وَلَوْ أَيْقَنَ أَنَّهُ مُشْرِكٌ لَمَا صَلَّى عَلَيْهِ أَصْلًا، وَلَا اسْتَغْفَرَ لَهُ، وَكَذَلِكَ تَعْدِيدُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَقَالَاتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ: لَا، وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ كَافِرًا لَصَرَّحَ بِذَلِكَ، وَقَصَدَ إلَيْهِ، وَلَمْ يُطَوِّلْ بِغَيْرِهِ. وَالثَّالِثُ - شَكَّ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٌ، وَتَعَجَّبَ عُمَرُ مِنْ مُعَارَضَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فِي صَلَاتِهِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَإِقْرَارِهِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْرَفُ مِنْهُ. وَالرَّابِعُ - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا نَهَى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ فَقَطْ، وَلَمْ يَنْهَ سَائِرَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا لَا نُنْكِرُهُ، فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يُتْرَكُ لَهُ وَفَاءٌ وَيَامُرُ الْمُسْلِمِينَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ. فَصَحَّ يَقِينًا بِهَذَا أَنَّ مَعْنَى الْآيَاتِ إنَّمَا هُوَ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَعَلِمَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ عليه السلام وَالْمُسْلِمُونَ. ثُمَّ تَابُوا فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ، فَمِنْهُمْ مِنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ بَاطِنَهُ كَظَاهِرِهِ فِي التَّوْبَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ بَاطِنَهُ خِلَافُ ظَاهِرِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ النَّبِيُّ عليه السلام وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَالَ تَعَالَى {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ} إلَى قوله تعالى {وَهُمْ كَافِرُونَ} . قَالَ فَقَوْلُهُ تَعَالَى {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ} الْآيَةَ لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ عَلَى أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ أَتَوْا كَبِيرَةً مِنْ الْكَبَائِرِ كَانُوا بِهَا عُصَاةً فَاسِقِينَ. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى هَؤُلَاءِ بِأَعْيَانِهِمْ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ. وَبَيَّنَ تَعَالَى هَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ هُنَالِكَ بِزِيَادَةٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُمْ بِهِ هَاهُنَا، فَقَالَ تَعَالَى {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنْ الْأَعْرَابِ} إلَى قوله تعالى {عَذَابًا أَلِيمًا} فَنَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّ أُولَئِكَ الْمُخَلَّفِينَ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت