ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ إذْ فَعَلُوا ذَلِكَ مَوْحَدَ وَمَثْنَى وَعَامَّةً وَخَاصَّةً، شُرَاةً وَمُدَافِعِينَ، قَاتَلُوا فَقَتَلُوا وَقُتِلُوا: {إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} الْآيَةَ - رحمهم الله - قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ وَالشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا - رحمهم الله: إنَّ فَتًى مِنْ الْمُسْلِمِينَ سَأَلَ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ - رحمه الله: أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ؟ فَقَالَ لَهُ: قَتْلُ خَرْدَلَةَ، وَقَدْ كَانَ خَرْدَلَةُ سَعَى بِجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَقْتَلَهُمْ، وَهَذَا لَفْظُ الشَّيْخِ أَحْمَدَ زَادَ غَيْرُهُ أَنَّ خَرْدَلَةَ طَعَنَ فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ: رَجَعَ خَرْدَلَةُ إلَى الْمُخَالِفِينَ وَطَعَنَ فِي دِينِنَا، وَمِنْ قِصَّتِهِ: أَنَّ الْفَتَى لَا يَعْرِفُهُ فَلَمْ يَطْمَئِنَّ حَتَّى وَضَعَ لَهُ جَابِرٌ يَدَهُ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وَأَمَّا الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ إبْرَاهِيمَ فَذَكَرَ أَنَّ خَرْدَلَةَ مُسْلِمٌ قَتَلَهُ رَجُلٌ، وَأَنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ قَتْلُ قَاتِلِهِ، وَلَفْظُهُ: وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: مَا أَفْضَلُ الْجِهَادِ يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ، فَقَالَ لَهُ جَابِرٌ: قَتْلُ قَاتِلِ خَرْدَلَةَ، وَخَرْدَلَةُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَتَلَهُ رَجُلٌ فَأَشَارَ بِهِ إلَيْهِ، فَقَالَ: لَا حَتَّى تَضَعَ يَدَك عَلَيْهِ، فَإِنِّي خَشِيت أَنْ أَقَعَ فِي غَيْرِهِ، فَجَاءَ أَبُو الشَّعْثَاءِ خَلْفَ الرَّجُلِ فَوَضَعَ كَفَّهُ عَلَيْهِ، فَقَامَ إلَيْهِ الرَّجُلُ فَقَتَلَهُ، وَطَلَبُوا إلَى الرَّجُلِ أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَى مَنْ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَتْلِهِ وَامْتَنَعَ. قَالَ جَابِرٌ: وَكُنْت أَخْشَى أَنْ يُشِيرَ إلَيَّ حَتَّى قَتَلُوهُ قَالَ قَائِلٌ: لِمَ أَجَزْتُمْ قَتْلَ الرَّجُلِ بِخَرْدَلَةَ بِأَمِينٍ وَاحِدٍ، أَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ الْبَسْطُ إلَى الدِّمَاءِ بِأَمِينٍ وَاحِدٍ؟ وَأُخْرَى عَلَى فِعْلٍ لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يُقَفْ عَلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَهُ؟ وَأُخْرَى: هَلْ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ سَبِيلٌ مِنْ أَوْلِيَاءِ الدَّمِ؟ قُلْت: اعْلَمْ أَنَّ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ إمَامٌ فِي مَقَامِ جَمَاعَةٍ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى الشَّاهِدَانِ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ، وَمِنْهُ: إذَا أَخَذْت جَوَابَ مَسْأَلَةٍ أَنَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا مَا كَفَرَ وَأَخَذْتهَا عَنْ أَمِينٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَسَعُك أَنْ تَبْرَأَ عَلَيْهَا وَتَقْتُلَ وَتَفْعَلَ مَا أَذِنَ لَك إلَيْهِ الشَّرْعُ وَلَا حَرَجَ، وَأَمَّا بَعْدَ نُزُولِ الْقَضِيَّةِ فَلَا، وَالطَّعْنُ فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ كَبِيرَةٌ عِنْدَنَا يَحِلُّ بِهَا دَمُهُ، وَعِنْدَ الْأُمَّةِ: لَا يَصِيرُ طَاعِنًا حَتَّى يَطْعَنَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَفِي الْأَثَرِ": عَنْ رَجُلٍ أَمْكَنَهُ قَتْلُ رَجُلٍ حَارَبَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الدِّينِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَمَسُّهُ بِيَدِهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ هُمْ بِمَوْضِعِ تَقِيَّةٍ وَلَمْ يُنَاصِبْهُمْ الْحَرْبَ، وَإِنَّمَا نَاصَبَ الْحَرْبَ أَهْلَ الظُّهُورِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، هَلْ يَسَعُ لِمَنْ يَسْتَغْفِلُهُ فَيَقْتُلُهُ أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ إذَا كَانَ يَعْلَمُ مِنْهُ الْعَدَاوَةَ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْعَمَلَ عَلَيْهِمْ فَجَائِزٌ لِلْمُسْلِمِينَ قَتْلُهُ بِالْغَفْلَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْعَمَلُ فِي قَتْلِهِ ثَانِيَةً وَقَدْ مَضَى أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَاؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَيُرْوَى أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَدِدْنَا أَنْ نَعْلَمَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ} ، الْآيَةَ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ صلى الله عليه وسلم: {هَلْ تُرِيدُونَ مِنْ رَبِّكُمْ إلَّا أَنْ يَغْفِرَ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَاغْزُوَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَمَنَامُ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي أَهْلِهِ سِتِّينَ سَنَةً، فَمَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَوْ فُوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ} ، وَعَنْهُ أَيْضًا: {لَا يُجْمَعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَبَدًا، وَمَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - وَلَلَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ - إلَّا وَيَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَشْخَبُ دَمًا اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ} . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ:"لَأَنْ أَقِفُ مَوْقِفًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُوَاجِهًا لِلْعَدُوِّ وَلَا أَضْرِبُ بِسَيْفٍ وَلَا أَطْعَنُ بِرُمْحٍ وَلَا أَرْمِي بِسَهْمٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ