[ص 359] وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط مِن الخبر ولا التأويلُ ولا يجوز فيه التنازعُ
قال: فما الوجه الثاني؟
قلت له: ما يَنُوبُ العِباد مِن فُروع الفرائض وما يُخَصُّ به مِن الأحكام وغيرها مما ليس فيه نصُّ كتاب ولا في أكثره نصُّ سنَّة وإن كانت في شيء منه سنةٌ فإنما هي مِن أخْبار الخاصَّة لا أخبارِ العامَّة وما كان منه يحتمل التأويل ويُسْتَدْرَكُ قِياسًا
قال: فيَعْدُو هذا أن يكون واجِبًا وجوبَ العلم قبله؟ أوْ مَوْضوعًا عن الناس عِلْمُه حتَّى يكونَ مَنْ عَلِمَهُ مُنْتَفِلًا [ص 360] ومَنْ تَرَكَ علْمَه غيرَ آثِمٍ بِتركه أو مِنْ وَجْهٍ ثالثٍ فتُوجِدُنَاهُ خَبَرًا أو قياسا؟
فقلت له: بلْ هو مِن وجه ثالثٍ
قال: فصِفْهُ واذْكر الحجَّةَ فيه ما يَلْزَمُ منه ومَنْ يَلْزَمُ وعنْ مَنْ يَسْقُطُ؟
فقلت له: هذه درجةٌ مِن العلم ليس تَبْلُغُها العامَّةُ ولم يُكَلَّفْهَا كلُّ الخاصَّة ومَن احتمل بلوغَها مِن الخاصة فلا يَسَعُهُمْ كلَّهم كافةً أنْ يُعَطِّلُوهَا وإذا قام بها مِن خاصَّتِهم مَنْ فيه الكفايةُ لم يَحْرَجْ غيرُه ممن تَرَكَها إن شاء الله والفضْل فيها لمن قام بها على مَنْ عَطَّلَهَا الرسالة
فقال: فأوْجِدْنِي هذا خبرًا أو شيئًا في معناه ليكون هذا قياسًا عليه؟
[ص 361] فقلتُ له: فَرَضَ اللهُ الجِهادَ في كتابه وعلى لسانِ نبِّيه ثم أكَّدَ النَّفِير مِن الجهاد فقال:"إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالقُرَآن وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) " [التوبة]
وقال:"وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36) " [التوبة]
وقال:"فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) " [التوبة]
وقال:"قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ [ص 362] مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) " [التوبة]
أخبرنا"عبد العزيز"عن"محمد بن عمرو"عن"أبي سَلَمَةَ"عن"أبي هريرة"قال: قال رسولُ الله:"لاَ أزَالُ أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلاَّ بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ" (1)
وقال الله - جَلَّ ثناؤه:"مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ؟ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ؟ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) " [التوبة]