وَالْمُعَادَلَةُ فِي الْقَتْلَى وَأَخْبَرَ أَنَّ فِيهِ حَيَاةً، فَإِنَّهُ يَحْقِنُ دَمَ غَيْرِ الْقَاتِلِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الرَّجُلَيْنِ، وَأَيْضًا عِلْمُ مَنْ يُرِيدُ الْقَتْلَ أَنَّهُ يُقْتَلُ كَفٌّ عَنْ الْقَتْلِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رضي الله تعالى عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سُوَاهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ أَلَا لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ} رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ السُّنَنِ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الْمُسْلِمِينَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ - أَيْ تَتَسَاوَى وَتَتَعَادَلُ - فَلَا يُفَضَّلُ عَرَبِيٌّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا قُرَشِيٌّ أَوْ هَاشِمِيٌّ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا حُرٌّ أَصْلِيٌّ عَلَى مَوْلًى عَتِيقٍ، وَلَا عَالِمٌ أَوْ أَمِيرٌ، عَلَى أُمِّيٍّ أَوْ مَامُورٍ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ وَحُكَّامُ الْيَهُودِ فَإِنَّهُ كَانَ بِقُرْبِ مَدِينَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم صِنْفَانِ مِنْ الْيَهُودِ: قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، وَكَانَتْ تَتَفَضَّلُ عَلَى قُرَيْظَةَ فِي الدِّمَاءِ، فَتَحَاكَمُوا إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ، وَفِي حَدِّ الزِّنَا، فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ غَيَّرُوهُ مِنْ الرَّجْمِ إلَى التَّحْمِيمِ وَقَالُوا إنْ حَكَمَ نَبِيُّكُمْ بِذَلِكَ كَانَ لَكُمْ حُجَّةٌ، وَإِلَّا فَأَنْتُمْ قَدْ تَرَكْتُمْ حُكْمَ التَّوْرَاةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} إلَى قَوْلِهِ: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} إلَى قَوْلِهِ: {فَلَا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} . فَبَيَّنَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ نُفُوسِهِمْ، وَلَمْ يُفَضِّلْ مِنْهُمْ نَفْسًا عَلَى أُخْرَى، كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ إلَى وَلَهُ: {وَأَنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} إلَى قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} . فَحَكَمَ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - فِي دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهَا كُلَّهَا سَوَاءٌ، خِلَافَ مَا عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ وَأَكْثَرُ سَبَبِ الْأَهْوَاءِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْبَوَادِي وَالْحَوَاضِرِ، إنَّمَا هِيَ الْبَغْيُ، تَرْكُ الْعَدْلِ فَإِنَّ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ يُصِيبُ بَعْضُهَا الْأُخْرَى دَمًا أَوْ مَالًا، أَوْ تَعْلُو عَلَيْهِمْ بِالْبَاطِلِ وَلَا تُنْصِفُهَا، وَلَا تَقْتَصِرُ الْأُخْرَى عَلَى اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، فَالْوَاجِبُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْحُكْمُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا بِالْقِسْطِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَمَحْوِ مَا كَانَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مِنْ حُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِذَا أَصْلَحَ مُصْلِحٌ بَيْنَهُمَا، فَلْيُصْلِحْ بِالْعَدْلِ كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} وَيَنْبَغِي أَنْ يَطْلُبَ الْعَفْوَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ لَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} . قَالَ أَنَسٌ رضي الله عنه: {مَا رُفِعَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمْرٌ فِيهِ قِصَاصٌ إلَّا أَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ