حُضُورُ مَنْ لَا يُقَاتِلُ مِنْ الْقَادِرِينَ عَلَى الْقِتَالِ مَعَ الْبُغَاةِ:
25 -إذَا حَضَرَ مَعَ الْبُغَاةِ مَنْ لَا يُقَاتِلُ - بِرَغْمِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِتَالِ - لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْصَدَ بِالْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ قِتَالِهِمْ كَفُّهُمْ، وَهَذَا قَدْ كَفَّ نَفْسَهُ لقوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ، وَإِنَّمَا خُصَّ مِنْ ذَلِكَ مَا حَصَلَ ضَرُورَةَ دَفْعِ الْبَاغِي وَالصَّائِلِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ، فَمَنْ لَا يُقَاتِلُ تَوَرُّعًا عَنْهُ - مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ - وَلَا يُخَافُ مِنْهُ الْقِتَالُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ مُسْلِمٌ لَا يَحْتَاجُ لِدَفْعٍ فَلَا يَحِلُّ دَمُهُ. وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا نَهَاهُمْ عَنْ قَتْلِ مُحَمَّدٍ السَّجَّادِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ يُقَاتِلُ، وَإِنَّمَا كَانَ يَحْمِلُ رَايَةَ أَبِيهِ، فَقَتَلَهُ رَجُلٌ وَأَنْشَدَ شِعْرًا، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلِيٌّ قَتْلَهُ؛ وَلِأَنَّهُ صَارَ رِدْءًا لَهُمْ.
حُكْمُ قِتَالِ الْمَحَارِمِ مِنْ الْبُغَاةِ:
26 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ قَتْلِ الْعَادِلِ لِذِي رَحِمِهِ الْمُحَرَّمِ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَقَصَرَ الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ عَلَى الْأَبَوَيْنِ فَقَطْ. بَلْ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ قَتْلِ أَبَوَيْهِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ ذَكَرَهَا الْقَاضِي. وَمِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لقوله تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاك عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} وَلِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ أَنَّ {النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَفَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ قَتْلِ أَبِيهِ} . وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِعَدَمِ الْحِلِّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالْمُصَاحَبَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ وَأَدِلَّةٌ. يَقُولُ الْحَنَفِيَّةُ: لَا يَجُوزُ لِلْعَادِلِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِقَتْلِ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ مُبَاشَرَةً؛ إذْ اجْتَمَعَ فِيهِ حُرْمَتَانِ: حُرْمَةُ الْإِسْلَامِ وَحُرْمَةُ الْقَرَابَةِ. وَإِذَا أَرَادَ الْبَاغِي قَتْلَ الْعَادِلِ فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِالْقَتْلِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَسَبَّبَ لِيَقْتُلَهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ فِي الْأَصْلِ عَاصِمٌ: {فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ. . .} وَالْبَاغِي مُسْلِمٌ، إلَّا أَنَّهُ أُبِيحَ قَتْلُ غَيْرِ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ، لَا لِشِرْكِهِمْ، وَدَفْعُ الشَّرِّ يَحْصُلُ بِالدَّفْعِ وَالتَّسَبُّبِ لِيَقْتُلَهُ غَيْرُهُ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: كُرِهَ لِلرَّجُلِ قَتْلُ أَبِيهِ الْبَاغِي، وَمِثْلُ أَبِيهِ أُمُّهُ، بَلْ هِيَ أَوْلَى، لِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْحَنَانِ وَالشَّفَقَةِ، وَلَا يُكْرَهُ قَتْلُ جَدِّهِ وَأَخِيهِ وَابْنِهِ. وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: وَلَا بَاسَ أَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلُ فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ أَخَاهُ وَقَرَابَتَهُ، فَأَمَّا الْأَبُ وَحْدَهُ فَلَا أُحِبُّ قَتْلَهُ عَمْدًا، وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ جَوَازَ قَتْلِ الِابْنِ الْبَاغِي، وَهُوَ غَيْرُ الْمَشْهُورِ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يُكْرَهُ أَنْ يُقْصَدَ قَتْلُ ذِي رَحِمٍ مُحْرَمٍ، كَمَا يُكْرَهُ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ، فَإِنْ قَاتَلَهُ لَمْ يُكْرَهْ. وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: الْأَصَحُّ كَرَاهَةُ قَتْلِ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ الْبَاغِي، وَنَقَلَ ابْنُ قُدَامَةَ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ بِحَقٍّ، فَأَشْبَهَ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ.
إرْثُ الْعَادِلِ مِنْ الْبَاغِي الَّذِي قَتَلَهُ وَالْعَكْسُ: 27 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ لِأَبِي بَكْرٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ - إلَى أَنَّ الْعَادِلَ إذَا قَتَلَ قَرِيبَهُ الْبَاغِيَ وَرِثَهُ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ بِحَقٍّ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْمِيرَاثَ كَالْقِصَاصِ؛ وَلِأَنَّ قَتْلَ الْبَاغِي وَاجِبٌ، وَلَا إثْمَ عَلَى الْقَاتِلِ بِقَتْلِهِ، وَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ. فَكَذَا لَا يُحْرَمُ مِنْ الْإِرْثِ. وَكَذَا لَوْ قَتَلَ الْبَاغِي ذَا رَحِمِهِ الْعَادِلِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبِي بَكْرٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ، لِقَوْلِهِمْ"وَمَوَارِيثُهُمْ قَائِمَةٌ". أَمَّا