فهرس الكتاب

الصفحة 771 من 879

الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: لَوْ قَتَلَ الْبَاغِي قَرِيبَهُ الْعَادِلَ وَقَالَ: أَنَا عَلَى حَقٍّ وَرِثَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. وَإِنْ قَالَ: قَتَلْته وَأَنَا عَلَى الْبَاطِلِ لَا يَرِثُ اتِّفَاقًا بَيْنَ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ. وَاسْتَدَلَّ - أَبُو حَنِيفَةَ - بِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا أَتْلَفَ عَنْ تَاوِيلٍ فَاسِدٍ، وَالْفَاسِدُ مِنْهُ مُلْحَقٌ بِالصَّحِيحِ إذَا انْضَمَّتْ إلَيْهِ مَنَعَةٌ، وَهُوَ إنْ كَانَ فَاسِدًا فِي نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ الضَّمَانُ، فَكَذَا لَا يُوجِبُ الْحِرْمَانَ، كَمَا أَنَّ التَّاوِيلَ فِي اعْتِقَادِهِ هُوَ صَحِيحٌ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ لِعُمُومِ حَدِيثِ: {لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ} وَكَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْبَاغِي إذَا قَتَلَ الْعَادِلَ، وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ: لَا يَرِثُ قَاتِلٌ مِنْ مَقْتُولِهِ مُطْلَقًا.

مَا يَجُوزُ قِتَالُ الْبُغَاةِ بِهِ:

28 -يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ قِتَالُ الْبُغَاةِ - إذَا تَحَصَّنُوا - بِكُلِّ مَا يُقَاتَلُ بِهِ أَهْلُ الْحَرْبِ، بِالسَّيْفِ وَالرَّمْيِ بِالنَّبْلِ وَبِالْمَنْجَنِيقِ وَالْحَرِيقِ وَالتَّغْرِيقِ، وَقَطْعِ الْمِيرَةِ (الْمُؤَنِ) وَالْمَاءِ عَنْهُمْ، وَكَذَا إذَا فَعَلَ الْبُغَاةُ مَعَهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ وَكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ، فَيُقَاتَلُونَ بِكُلِّ مَا يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ نِسْوَةٌ أَوْ ذَرَارِيُّ، فَلَا نَرْمِيهِمْ بِالنَّارِ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِعَدَمِ جَوَازِ قِتَالِهِمْ بِالنَّارِ وَالرَّمْيِ بِالْمَنْجَنِيقِ، وَلَا بِكُلِّ عَظِيمٍ يَعُمُّ، كَالتَّغْرِيقِ وَإِرْسَالِ سُيُولٍ جَارِفَةٍ، وَلَا يَجُوزُ مُحَاصَرَتُهُمْ وَقَطْعُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ عَنْهُمْ إلَّا لِضَرُورَةٍ، بِأَنْ قَاتَلُوا بِهِ، أَوْ أَحَاطُوا بِنَّا وَلَمْ يَنْدَفِعُوا إلَّا بِهِ، وَيَكُونُ فِعْلُ ذَلِكَ بِقَصْدِ الْخَلَاصِ مِنْهُمْ لَا بِقَصْدِ قَتْلِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ مَنْ لَا يُقَاتِلُ، وَمَا يَعُمُّ إتْلَافُهُ يَقَعُ عَلَى مَنْ يُقَاتِلُ وَمَنْ لَا يُقَاتِلُ.

مُقَاتَلَةُ الْبُغَاةِ بِسِلَاحِهِمْ الَّذِي فِي أَيْدِينَا:

29 -يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، قِتَالُهُمْ بِسِلَاحِهِمْ وَخَيْلِهِمْ وَكُلِّ أَدَوَاتِ الْقِتَالِ الَّتِي اسْتَوْلَيْنَا عَلَيْهَا مِنْهُمْ، إنْ احْتَاجَ أَهْلُ الْعَدْلِ إلَى هَذَا؛ لِأَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه قَسَّمَ مَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ مِنْ سِلَاحِ الْبُغَاةِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ بِالْبَصْرَةِ، وَكَانَتْ قِسْمَةً لِلْحَاجَةِ لَا لِلتَّمْلِيكِ؛ وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي مَالِ أَهْلِ الْعَدْلِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَفِي مَالِ الْبَاغِي أَوْلَى. وَنَقَلَ ابْنُ قُدَامَةَ عَنْ الْقَاضِي أَنَّ أَحْمَدَ أَوْمَأَ إلَى جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهِ حَالَ الْتِحَامِ الْحَرْبِ، وَمَنْعِهِ فِي غَيْرِ قِتَالِهِمْ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ يَجُوزُ فِيهَا إتْلَافُ نُفُوسِهِمْ، وَحَبْسُ سِلَاحِهِمْ وَكُرَاعِهِمْ، فَجَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَسِلَاحِ أَهْلِ الْحَرْبِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ. أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الْوَجْهُ الْآخَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، فَيَرَوْنَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ اسْتِعْمَالُ شَيْءٍ مِمَّا اسْتَوْلَيْنَا عَلَيْهِ مِنْ سِلَاحِ الْبُغَاةِ وَخَيْلِهِمْ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَيَلْزَمُ دَفْعُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لَهُمْ، كَمُضْطَرٍّ لِأَكْلِ طَعَامِ غَيْرِهِ يَلْزَمُهُ ثَمَنُهُ، وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ} وَلِأَنَّ مَنْ لَا يَجُوزُ أَخْذُ مَالِهِ لَمْ يَجُزْ الِانْتِفَاعُ بِمَالِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ وَمِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ عَصَمَ أَمْوَالَهُمْ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ قِتَالُهُمْ لِرَدِّهِمْ إلَى الطَّاعَةِ، فَيَبْقَى الْمَالُ عَلَى عِصْمَتِهِ، وَمَتَى انْقَضَتْ الْحَرْبُ وَجَبَ رَدُّهُ إلَيْهِمْ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ، وَلَا يُرَدُّ إلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُقَاتِلُونَا بِهِ.

الِاسْتِعَانَةُ فِي قِتَالِهِمْ بِالْمُشْرِكِينَ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت