فهرس الكتاب

الصفحة 772 من 879

30 -اتَّفَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِعَانَةِ بِالْكُفَّارِ فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ كَفُّهُمْ لَا قَتْلُهُمْ، وَالْكُفَّارُ لَا يَقْصِدُونَ إلَّا قَتْلَهُمْ، وَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُمْكِنِ الْقُدْرَةُ عَلَى كَفِّ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ الْمُسْتَعَانِ بِهِمْ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ لَمْ يَجُزْ. كَمَا نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِعَانَةُ عَلَى قِتَالِهِمْ بِمَنْ يَرَى مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ (وَهُمْ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ) قَتْلَ الْبُغَاةِ وَهُمْ مُدْبِرُونَ، عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ. وَيَتَّفِقُ الْحَنَفِيَّةُ مَعَ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الِاسْتِعَانَةُ بِأَهْلِ الشِّرْكِ إذَا كَانَ حُكْمُ أَهْلِ الشِّرْكِ، هُوَ الظَّاهِرَ، أَمَّا إذَا كَانَ حُكْمُ أَهْلِ الْعَدْلِ هُوَ الظَّاهِرَ فَلَا بَاسَ بِالِاسْتِعَانَةِ بِالذِّمِّيِّينَ وَصِنْفٍ مِنْ الْبُغَاةِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ حَاجَةٌ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعَدْلِ يُقَاتِلُونَ لِإِعْزَازِ الدِّينِ، وَالِاسْتِعَانَةُ عَلَى الْبُغَاةِ بِهِمْ كَالِاسْتِعَانَةِ عَلَيْهِمْ بِأَدَوَاتِ الْقِتَالِ.

قَتْلَى مَعَارِكِ الْبُغَاةِ وَحُكْمُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ:

31 -مَنْ قُتِلَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ كَانَ شَهِيدًا؛ لِأَنَّهُ قُتِلَ فِي قِتَالٍ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَذَلِكَ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَانُهُ: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} وَلَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ شَهِيدُ مَعْرَكَةٍ أُمِرَ بِالْقِتَالِ فِيهَا، فَأَشْبَهَ شَهِيدَ مَعْرَكَةِ الْكُفَّارِ. وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يُغَسَّلُ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ} وَاسْتَثْنَى قَتِيلَ الْكُفَّارِ فِي الْمَعْرَكَةِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ. أَمَّا قَتْلَى الْبُغَاةِ، فَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ وَيُكَفَّنُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ} وَلِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ حُكْمُ الشَّهَادَةِ، فَيُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ. وَمِثْلُهُ الْحَنَفِيَّةُ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ، أَمْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ عَلَى الرَّايِ الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ. وَقَدْ رُوِيَ: أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه لَمْ يُصَلِّ عَلَى أَهْلِ حَرُورَاءَ، وَلَكِنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ وَيُكَفَّنُونَ وَيُدْفَنُونَ. وَلَمْ يُفَرِّقْ الْجُمْهُورُ بَيْنَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْبُغَاةِ فِي حُكْمِ التَّغْسِيلِ وَالتَّكْفِينِ وَالصَّلَاةِ.

تَقَاتُلُ أَهْلِ الْبَغْيِ:

32 -إنْ اقْتَتَلَ فَرِيقَانِ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، فَإِنْ قَدَرَ الْإِمَامُ عَلَى قَهْرِهِمَا، لَمْ يُعَاوِنْ وَاحِدًا مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى خَطَأٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَهْرِهِمَا، وَلَمْ يَامَنْ أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى قِتَالِهِ، ضَمَّ إلَى نَفْسِهِ أَقْرَبَهُمَا إلَى الْحَقِّ. فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ اجْتَهَدَ رَايَهُ فِي ضَمِّ أَحَدِهِمَا، وَلَا يَقْصِدْ بِذَلِكَ مُعَاوَنَتَهُ عَلَى الْآخَرِ، بَلْ يَقْصِدُ الِاسْتِعَانَةَ بِهِ عَلَى الْآخَرِ، فَإِذَا انْهَزَمَ الْآخَرُ لَمْ يُقَاتِلْ الَّذِي ضَمَّهُ إلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَدْعُوَهُ إلَى الطَّاعَةِ؛ لِأَنَّهُ بِالِاسْتِعَانَةِ بِهِ حَصَلَ عَلَى الْأَمَانِ، نَصَّ عَلَى هَذَا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. وَلَمْ يُوجَدْ فِيمَا رَجَعْنَا إلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ حُكْمُ هَذِهِ الصُّورَةِ. وَجَاءَ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ: لَوْ قَتَلَ بَاغٍ مِثْلَهُ عَمْدًا فِي عَسْكَرِهِمْ، ثُمَّ ظَهَرَ أَهْلُ الْعَدْلِ عَلَى الْبُغَاةِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ؛ لِكَوْنِ الْمَقْتُولِ مُبَاحَ الدَّمِ؛ إذْ لَوْ قَتَلَهُ الْعَادِلُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَلَا يَجِبُ عَلَى الْبَاغِي الْقَاتِلِ دِيَةٌ وَلَا قِصَاصٌ، وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ وَلِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِإِمَامِ الْعَدْلِ حِينَ الْقَتْلِ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ مُوجِبًا لِلْجَزَاءِ، كَالْقَتْلِ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَقَالُوا: لَوْ غَلَبَ أَهْلُ الْبَغْيِ عَلَى بَلَدٍ، فَقَاتَلَهُمْ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، فَأَرَادُوا أَنْ يَسْبُوا ذَرَارِيَّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَجَبَ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت