فهرس الكتاب

الصفحة 774 من 879

تَصَرُّفَاتُ إمَامِ الْبُغَاةِ إذَا اسْتَوْلَى الْبُغَاةُ عَلَى بَلَدٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَنَصَّبُوا لَهُمْ إمَامًا، وَأَحْدَثَ الْإِمَامُ تَصَرُّفَاتٍ بِاعْتِبَارِهِ حَاكِمًا، كَالْجِبَايَةِ مِنْ جَمْعِ الزَّكَاةِ وَالْعُشُورِ وَالْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ، وَاسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ وَإِقَامَةِ الْقُضَاةِ، فَهَلْ تَنْفُذُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا آثَارُهَا فِي حَقِّ أَهْلِ الْعَدْلِ؟ بَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَاتِي: أ - جِبَايَةُ الزَّكَاةِ وَالْجِزْيَةِ وَالْعُشُورِ وَالْخَرَاجِ: 35 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إلَى أَنَّ مَا جَبَاهُ أَهْلُ الْبَغْيِ مِنْ الْبِلَادِ الَّتِي غَلَبُوا عَلَيْهَا، مِنْ الزَّكَاةِ وَالْجِزْيَةِ وَالْعُشُورِ وَالْخَارِجِ، يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّ مَا فَعَلُوهُ أَوْ أَخَذُوهُ كَانَ بِتَاوِيلٍ سَائِغٍ، فَوَجَبَ إمْضَاؤُهُ، كَالْحَاكِمِ إذَا حَكَمَ بِمَا يَسُوغُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ، وَلَا حَرَجَ عَلَى النَّاسِ فِي دَفْعِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، فَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا أَتَاهُ سَاعِي نَجْدَةَ الْحَرُورِيَّ دَفَعَ إلَيْهِ زَكَاتَهُ، وَكَذَلِكَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ. وَلَيْسَ لِإِمَامِ أَهْلِ الْعَدْلِ إذَا ظَهَرَ عَلَى هَذِهِ الْبِلَادِ أَنْ يُطَالِبَ بِشَيْءٍ مِمَّا جَبَوْهُ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ أُخِذَ مِنْهُ، وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ؛ وَلِأَنَّ وِلَايَةَ الْأَخْذِ كَانَتْ لَهُ بِاعْتِبَارِ الْحِمَايَةِ، وَلَمْ يَحْمِهِمْ؛ وَلِأَنَّ فِي تَرْكِ الِاحْتِسَابِ بِهَا ضَرَرًا عَظِيمًا وَمَشَقَّةً كَبِيرَةً، فَإِنَّهُمْ قَدْ يَغْلِبُونَ عَلَى الْبِلَادِ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ، فَلَوْ لَمْ يُحْتَسَبْ مَا أَخَذُوهُ، أَدَّى إلَى أَخْذِ الصَّدَقَاتِ مِنْهُمْ عَنْ كُلِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: عَلَى مَنْ أَخَذُوا مِنْهُ الزَّكَاةَ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ صَحِيحَةٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَهَا آحَادُ الرَّعِيَّةِ. وَذَهَبَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ إمَامُ أَهْلِ الْبَغْيِ صَرَفَ مَا أَخَذَهُ فِي مَصْرِفِهِ أَجْزَأَ مَنْ أُخِذَ مِنْهُ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لِوُصُولِ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَرَفَهُ فِي حَقِّهِ فَعَلَى مَنْ أُخِذَ مِنْهُمْ أَنْ يُعِيدُوا دَفْعَهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى مُسْتَحِقِّهِ. وَقَالَ الْكَمَالُ ابْنُ الْهُمَامِ: قَالَ الْمَشَايِخُ: لَا إعَادَةَ عَلَى الْأَرْبَابُ فِي الْخَرَاجِ؛ لِأَنَّ الْبُغَاةَ مُقَاتِلَةٌ، وَهُمْ مَصْرِفُ الْخَرَاجِ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ، وَكَذَلِكَ فِي الْعُشْرِ إنْ كَانُوا فُقَرَاءَ، أَمَّا إنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ فَقَدْ أَفْتَوْا بِالْإِعَادَةِ، وَذَلِكَ فِي زَكَاةِ الْأَمْوَالِ كُلِّهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إنْ عَادَ بَلَدُ الْبُغَاةِ إلَى أَهْلِ الْعَدْلِ، فَادَّعَى مَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ أَنَّهُ دَفَعَهَا إلَى أَهْلِ الْبَغْيِ قُبِلَ قَوْلُهُ. وَفِي اسْتِحْلَافِهِ وَجْهَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يُسْتَحْلَفُ النَّاسُ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ. وَإِنْ ادَّعَى مَنْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ أَنَّهُ دَفَعَهَا إلَيْهِمْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهَا عِوَضٌ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الدَّفْعِ، كَالْمُسْتَاجِرِ إذَا ادَّعَى دَفْعَ الْأُجْرَةِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُحْتَمَلُ قَبُولُ قَوْلِهِمْ إذَا مَضَى الْحَوْلُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبُغَاةَ لَا يَدَّعُونَ الْجِزْيَةَ لَهُمْ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمْ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُمْ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا مَضَى لِذَلِكَ سُنُونَ كَثِيرَةٌ شَقَّ عَلَيْهِمْ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى مُدَّعِيهِمْ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى تَغْرِيمِهِمْ الْجِزْيَةَ مَرَّتَيْنِ. وَإِنْ ادَّعَى مَنْ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِي الدَّفْعِ لِمَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ. وَالثَّانِي: لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ ثَمَنٌ أَوْ أُجْرَةٌ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الدَّفْعِ، كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ وَالْأُجْرَةِ فِي الْإِجَارَةِ. وَيَصِحُّ تَفْرِيقُهُمْ سَهْمَ الْمُرْتَزِقَةِ عَلَى جُنُودِهِمْ؛ لِاعْتِقَادِهِمْ التَّاوِيلَ الْمُحْتَمَلَ، فَأَشْبَهَ الْحَكَمَ بِالِاجْتِهَادِ؛ وَلِمَا فِي عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالرَّعِيَّةِ؛ وَلِأَنَّ جُنْدَهُمْ مِنْ جُنْدِ الْإِسْلَامِ، وَرُعْبُ الْكُفَّارِ قَائِمٌ بِهِمْ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ الزَّكَاةُ مُعَجَّلَةً أَمْ لَا، وَاسْتَمَرَّتْ شَوْكَتُهُمْ عَلَى وُجُوبِهَا أَمْ لَا، وَقِيلَ: لَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت