يُعْتَدُّ بِتَفْرِقَتِهِمْ لِئَلَّا يَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ مَنْ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ ذِمِّيًّا فَهُوَ كَالْجِزْيَةِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِ.
ب - قَضَاءُ الْبُغَاةِ وَحُكْمُ نَفَاذِهِ:
36 -لَوْ ظَهَرَ أَهْلُ الْبَغْيِ عَلَى بَلَدٍ فَوَلَّوْا فِيهِ قَاضِيًا مِنْ أَهْلِهِ، وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ صَحَّ اتِّفَاقًا، وَعَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ الْحُدُودَ. أَمَّا إنْ كَانَ مِنْهُمْ، فَإِذَا ظَهَرَ أَهْلُ الْعَدْلِ عَلَى هَذَا الْبَلَدِ، فَرُفِعَتْ أَقْضِيَتُهُ إلَى قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ نَفَذَ مِنْهَا مَا هُوَ عَدْلٌ، وَكَذَا مَا قَضَاهُ بِرَايِ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي فِي الْمُجْتَهَدَاتِ نَافِذٌ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِرَايِ قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إذَا كَانَ الْبَاغِي مُتَأَوِّلًا، وَأَقَامَ قَاضِيًا، فَحَكَمَ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ، وَلَا تُتَصَفَّحُ أَحْكَامُهُ، بَلْ تُحْمَلُ عَلَى الصِّحَّةِ، وَيَرْتَفِعُ بِهَا الْخِلَافُ. قَالَ الْمَوَّاقُ: هَذَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. أَمَّا غَيْرُ الْمُتَأَوِّلِ فَأَحْكَامُهُ تُتَعَقَّبُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إنْ كَانَ مِمَّنْ يَسْتَبِيحُ دِمَاءَ أَهْلِ الْعَدْلِ وَأَمْوَالَهُمْ لَمْ تَنْفُذْ أَحْكَامُهُ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقَضَاءِ الْعَدَالَةَ وَالِاجْتِهَادَ، وَهَذَا لَيْسَ بِعَدْلٍ وَلَا مُجْتَهِدٍ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَسْتَبِيحُ ذَلِكَ نَفَذَ مِنْ حُكْمِهِ مَا يَنْفُذُ مِنْ حُكْمِ أَهْلِ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّ لَهُمْ تَاوِيلًا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، فَلَمْ يُنْقَضْ مِنْ حُكْمِهِ مَا يَسُوغُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ؛ وَلِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي الْفُرُوعِ بِتَاوِيلٍ سَائِغٍ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْقَضَاءِ وَلَمْ يَفْسُقْ كَاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ، وَإِذَا حَكَمَ بِمَا لَا يُخَالِفُ إجْمَاعًا نَفَذَ حُكْمُهُ، وَإِنْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ نُقِضَ، وَإِنْ حَكَمَ بِسُقُوطِ الضَّمَانِ عَنْ أَهْلِ الْبَغْيِ فِيمَا أَتْلَفُوهُ حَالَ الْحَرْبِ جَازَ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا أَتْلَفُوهُ قَبْلَ الْحَرْبِ لَمْ يَنْفُذْ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَإِنْ حَكَمَ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ بِالضَّمَانِ فِيمَا أَتْلَفُوهُ حَالَ الْحَرْبِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْإِجْمَاعِ، وَإِنْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِوُجُوبِ الضَّمَانِ فِيمَا أَتْلَفُوهُ فِي غَيْرِ حَالِ الْحَرْبِ نَفَذَ حُكْمُهُ.
ج - كِتَابُ قَاضِي الْبُغَاةِ إلَى قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ:
37 -لَا يَقْبَلُ قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ كِتَابَ قَاضِي الْبُغَاةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ فَسَقَةٌ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ الْحُكْمُ بِكِتَابِهِمْ إلَيْنَا بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَيُسْتَحَبُّ عَدَمُ تَنْفِيذِهِ وَالْحُكْمِ بِهِ، اسْتِخْفَافًا بِهِمْ حَيْثُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ. فَإِنْ قَبِلَهُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ يَنْفُذُ حُكْمُهُ، فَجَازَ الْحُكْمُ بِكِتَابِهِ، كَقَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ وَالْحَاكِمُ مِنْ أَهْلِهِ. بَلْ لَوْ كَانَ الْحُكْمُ لِوَاحِدٍ مِنَّا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَالْمُتَّجَهُ وُجُوبُ التَّنْفِيذِ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ كِتَابِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إعْلَاءٍ لِمَنْصِبِهِ. وَلَمْ نَقِفْ عَلَى نَصٍّ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي هَذَا، لَكِنَّهُمْ اشْتَرَطُوا فِي الْقَاضِي الَّذِي يُقْبَلُ كِتَابُهُ: الْعَدَالَةَ، سَوَاءٌ أَكَانَ تَوَلَّى الْقَضَاءَ مِنْ قِبَلِ الْوَالِي الْمُتَغَلِّبِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الْكَافِرِ، رِعَايَةً لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، مِمَّا يُفِيدُ جَوَازَ قَبُولِ كِتَابِ قَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ.
د - إقَامَتُهُمْ لِلْحَدِّ، وَوُجُوبُهُ عَلَيْهِمْ: