فهرس الكتاب

الصفحة 776 من 879

38 -الْحَدُّ الَّذِي يُقِيمُهُ إمَامُ أَهْلِ الْبَغْيِ يَقَعُ مَوْقِعَهُ، وَيَكُونُ مُجْزِئًا، وَلَا يُعَادُ ثَانِيًا عَلَى الْمَحْدُودِ إنْ كَانَ غَيْرَ قَتْلٍ، وَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ قَتْلًا، لِأَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه قَاتَلَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ، وَلَمْ يُلْغِ مَا فَعَلُوهُ؛ لِأَنَّهُمْ فَعَلُوهُ بِتَاوِيلٍ سَائِغٍ، فَوَجَبَ إمْضَاؤُهُ، وَهَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ كُلٌّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إذَا كَانَ الْقَاضِي الَّذِي أَقَامَهُ إمَامُ أَهْلِ الْبَغْيِ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ الَّتِي تَغَلَّبُوا عَلَيْهَا، وَلَيْسَ مِنْ الْبُغَاةِ، وَجَبَ عَلَيْهِ إقَامَةُ الْحَدِّ وَأَجْزَأَ. وَأَمَّا إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَكَانُوا امْتَنَعُوا بِدَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ؛ إذْ الْفِعْلُ لَمْ يَقَعْ مُوجِبًا أَصْلًا لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ عَلَى مَكَانِ وُقُوعِ الْجَرِيمَةِ وَقْتَ وُقُوعِهَا. وَلَوْ رَجَعَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَيْضًا. وَعَلَى هَذَا لَوْ تَغَلَّبْنَا عَلَيْهِمْ لَا يُقَامُ. وَلَوْ كَانُوا أَقَامُوهُ فَإِنَّهُ لَا تَجِبْ إعَادَتُهُ؛ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ أَصْلًا. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إذَا ارْتَكَبُوا حَالَ امْتِنَاعِهِمْ مَا يُوجِبُ حَدًّا، ثُمَّ قُدِرَ عَلَيْهِمْ - وَلَمْ يَكُنْ أُقِيمَ الْحَدُّ - أُقِيمَتْ فِيهِمْ حُدُودُ اللَّهِ، وَلَا تَسْقُطُ الْحُدُودُ بِاخْتِلَافِ الدَّارِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ لِعُمُومِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ تَجِبُ فِيهِ الْعِبَادَةُ فِي أَوْقَاتِهَا تَجِبُ الْحُدُودُ فِيهِ عِنْدَ وُجُودِ أَسْبَابِهَا كَدَارِ أَهْلِ الْعَدْلِ؛ وَلِأَنَّهُ زَانٍ أَوْ سَارِقٌ لَا شُبْهَةَ فِي زِنَاهُ وَسَرِقَتِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ كَالذِّمِّيِّ فِي دَارِ الْعَدْلِ.

شَهَادَةُ الْبُغَاةِ:

39 -الْأَصْلُ قَبُولُ شَهَادَتِهِمْ. فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إنْ كَانُوا عُدُولًا فِي أَهْوَائِهِمْ، إلَّا بَعْضَ الرَّافِضَةِ كَالْخَطَابِيَّةِ، وَمَنْ كَانَتْ بِدْعَتُهُ تُكَفِّرُ، أَوْ كَانَ صَاحِبَ عَصَبِيَّةٍ، أَوْ فِيهِ مَجَانَةٌ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُقْبَلُ لِكُفْرِهِ وَلِفِسْقِهِ. وَيَقُولُ الْمَالِكِيَّةُ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبُغَاةِ إذَا لَمْ يَكُونُوا مُبْتَدِعِينَ، وَلَا تُقْبَلُ إذَا كَانُوا مُبْتَدِعِينَ وَالْعِبْرَةُ بِوَقْتِ الْأَدَاءِ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبُغَاةِ لِتَاوِيلِهِمْ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَشْهَدُونَ لِمُوَافِقِيهِمْ بِتَصْدِيقِهِمْ، فَلَا تُقْبَلُ حِينَئِذٍ لِبَعْضِهِمْ. وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: الْبُغَاةُ إذَا لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ لَيْسُوا بِفَاسِقِينَ، وَإِنَّمَا هُمْ يُخْطِئُونَ فِي تَاوِيلِهِمْ، فَهُمْ كَالْمُجْتَهِدِينَ، فَمَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا. وَنُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمْ يَفْسُقُونَ بِالْبَغْيِ وَخُرُوجِهِمْ عَلَى الْإِمَامِ، وَلَكِنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّ فِسْقَهُمْ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ فَلَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ.

ب - (قِتَالُ الْبُغَاةِ) :

6 -الْبُغَاةُ هُمْ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ عَلَى الْإِمَامِ يَبْغُونَ خَلْعَهُ أَوْ مَنْعَ الدُّخُولِ فِي طَاعَتِهِ، أَوْ مَنْعَ حَقٍّ وَاجِبٍ بِتَاوِيلٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ قِتَالِهِمْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ} . قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: مَنْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إمَامَتِهِ وَبَيْعَتِهِ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ وَوَجَبَتْ مَعُونَتُهُ، وَمُحَرَّمٌ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ، لِمَا فِي الْخُرُوجِ عَلَيْهِ مِنْ شَقِّ عَصَا الطَّاعَةِ، وَيَدْخُلُ الْخَارِجُ فِي عُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي وَهُمْ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ} ، فَمَنْ خَرَجَ عَلَى مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ بَاغِيًا وَجَبَ قِتَالُهُ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ قِتَالُ الْبُغَاةِ حَتَّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ الْإِمَامُ مَنْ يَسْأَلُهُمْ وَيَكْشِفُ لَهُمْ الصَّوَابَ، وَيُزِيلُ مَا يَذْكُرُونَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت