فاليهود والمنافقون من شأنهم أن يخشوا الله. أما اليهود فلأنهم أهل دين فهم يخافون الله ويحذرون عقاب الدنيا وعقاب الآخرة. وأما المنافقون فهم مشركون وهم يعترفون بأن الله تعالى هو الإله الأعظم وأنه أولى الموجودات بأن يخشى لأنه رب الجميع وهم لا يثبتون البعث والجزاء فخشيتهم الله قاصرة على خشية عذاب الدنيا من خسف وقحط واستئصال ونحو ذلك وليس وراء ذلك خشية. وهذا بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بأن الله أوقع الرعب منهم في نفوس عدوهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم"نصرت بالرعب مسيرة شهر"
ووجه وصف الرهبة بأنها في صدورهم الإشارة إلى أنها رهبة جد خفية أي أنهم يتظاهرون بالاستعداد لحرب المسلمين ويتطاولون بالشجاعة ليرهبهم المسلمون وما هم بتلك المثابة فأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على دخيلتهم فليس قوله (في صدورهم) وصفا كاشفا
وإذ قد حصلت البشارة من الخبر عن الرعب الذي في قلوبهم ثني عنان الكلام إلى مذمة هؤلاء الأعداء من جراء كونهم أخوف للناس منهم لله تعالى بأن ذلك من قلة فقه نفوسهم ولو فقهوا لكانوا أخوف لله منهم للناس فنظروا فيما يخلصهم من عقاب التفريط في النظر في دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فعلموا صدقه فنجوا من عواقب كفرهم به في الدنيا والآخرة فكانت رهبتهم من المسلمين هذه الرهبة مصيبة عليهم وفائدة للمسلمين
فالجملة معترضة بين البيان ومبينه
والإشارة بذلك إلى المذكور من قوله (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله) واجتلاب اسم الإشارة ليتميز الأمر المحكوم عليه أتم تمييز لغرابته
والباء للسببية والمجرور خبر عن اسم الإشارة أي سبب ذلك المذكور وهو انتفاء فقاهتهم
وإقحام لفظ (قوم) لما يؤذن به من أن عدم فقه أنفسهم أمر عرفوا به جميعا وصار من مقومات قوميتهم لا يخلو عنه أحد منهم وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: (إن في اختلاف الليل والنهار) إلى قوله (لآيات لقوم يعقلون) في سورة البقرة
والفقه: فهم المعاني الخفية وقد تقدم عند قوله تعالى (فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا) في سورة النساء وقوله (انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون) في سورة الأنعام ذلك أنهم تبعوا دواعي الخوف المشاهد وذهلوا عن الخوف المغيب غن أبصارهم وهو خوف الله فكان ذلك من قلة فهمهم للخفيات
(لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر) صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام هذه الجملة بدل اشتمال من جملة (لأنتم أشد رهبة في صدروهم من الله) لأن شدة الرهبة من المسلمين تشتمل على شدة التحصن لقتالهم إياهم أي لا يقدرون على قتالكم إلا في هاته الاحوال والضمير المرفوع في (يقاتلونكم) عائد إلى (الذين كفروا من أهل الكتاب)