صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ وَصَافَّ الْجَيْشُ عَدُوَّهُ: قَاتَلَهُ صُفُوفًا، وَتَصَافَّ الْقَوْمُ: وَقَفُوا صُفُوفًا مُتَقَابِلَةً. وَلَا يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الِاصْطِلَاحِيُّ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ. الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالصَّفِّ: أَوَّلًا: تَسْوِيَةُ الصَّفِّ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ: 2 - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ بِحَيْثُ لَا يَتَقَدَّمُ بَعْضُ الْمُصَلِّينَ عَلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ، وَيَعْتَدِلُ الْقَائِمُونَ فِي الصَّفِّ عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ مَعَ التَّرَاصِّ، وَهُوَ تَلَاصُقُ الْمَنْكِبِ بِالْمَنْكِبِ، وَالْقَدَمِ بِالْقَدَمِ، وَالْكَعْبِ بِالْكَعْبِ حَتَّى لَا يَكُونَ فِي الصَّفِّ خَلَلٌ وَلَا فُرْجَةٌ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَامُرَ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ} وَفِي رِوَايَةٍ: {فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ} وَفِي رِوَايَةٍ: {وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فَإِنَّ إقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ} وَلِمَا رَوَاهُ أَنَسٌ رضي الله عنه قَالَ: {أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، وَتَرَاصُّوا فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي} . وَفِي رِوَايَةٍ: {وَكَانَ أَحَدُنَا يَلْزَقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ} وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ - مِنْهُمْ ابْنُ حَجَرٍ وَبَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ - إلَى وُجُوبِ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ} فَإِنَّ وُرُودَ هَذَا الْوَعِيدِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ، وَالتَّفْرِيطُ فِيهَا حَرَامٌ؛ وَلِأَمْرِهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ وَأَمْرُهُ لِلْوُجُوبِ مَا لَمْ يَصْرِفْهُ صَارِفٌ، وَلَا صَارِفَ هُنَا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَمَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ وَاجِبَةٌ فَصَلَاةُ مَنْ خَالَفَ وَلَمْ يُسَوِّ صَحِيحَةٌ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ: أَنَّ أَنَسًا مَعَ إنْكَارِهِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَامُرْهُمْ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ.
3 -وَمِنْ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ إكْمَالُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، وَأَنْ لَا يُشْرَعَ فِي إنْشَاءِ الصَّفِّ الثَّانِي إلَّا بَعْدَ كَمَالِ الْأَوَّلِ، وَهَكَذَا. وَهَذَا مَوْضِعُ اتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ ثُمَّ الَّذِي يَلِيَهُ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ} وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ} . وَعَلَيْهِ فَلَا يَقِفُ فِي صَفٍّ وَأَمَامَهُ صَفٌّ آخَرُ نَاقِصٌ أَوْ فِيهِ فُرْجَةٌ، بَلْ يَشُقُّ الصُّفُوفَ لِسَدِّ الْخَلَلِ أَوْ الْفُرْجَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي الصُّفُوفِ الَّتِي أَمَامَهُ؛ لِلْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ. فَإِذَا حَضَرَ مَعَ الْإِمَامِ رَجُلَانِ أَوْ أَكْثَرُ، أَوْ رَجُلٌ وَصَبِيٌّ اصْطَفَّا خَلْفَهُ. وَلَوْ حَضَرَ مَعَهُ رَجُلَانِ وَامْرَأَةٌ اصْطَفَّ الرَّجُلَانِ خَلْفَهُ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُمَا، وَلَوْ اجْتَمَعَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَالصَّبِيَّاتُ الْمُرَاهِقَاتُ وَأَرَادُوا أَنْ يَصْطَفُّوا لِلْجَمَاعَةِ وَقَفَ الرِّجَالُ فِي صَفٍّ أَوْ صَفَّيْنِ أَوْ صُفُوفٍ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ، ثُمَّ الصِّبْيَانُ بَعْدَهُمْ، وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَقِفُ بَيْنَ كُلِّ رَجُلَيْنِ صَبِيٌّ لِيَتَعَلَّمَ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ. ثُمَّ يَقِفُ النِّسَاءُ وَلَا فَرْقَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بَيْنَ الْكَبِيرَةِ وَالصَّبِيَّةِ الْمُرَاهِقَةِ. أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَيَرَوْنَ أَنَّ الصَّبِيَّاتِ الْمُرَاهِقَاتِ يَقِفْنَ وَرَاءَ النِّسَاءِ الْكَبِيرَاتِ. وَيَتَقَدَّمُ بِالنِّسْبَةِ لِهَؤُلَاءِ جَمِيعًا فِي الصُّفُوفِ الْأُوَلِ الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ لِمَا رَوَاهُ أَبُو مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ: اسْتَوُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ؛ لِيَلِيَنِّي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ} . وَلِمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: فَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَفَّ الرِّجَالَ وَصَفَّ خَلْفَهُمْ الْغِلْمَانَ ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ، فَذَكَرَ صَلَاتَهُ ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا صَلَاةُ. قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى - رَاوِي الْحَدِيثِ -