من مذهب المقال الأول ولا نهجه، إذ لم يكن المقصود به النقد وحسب، بل الرد والسخرية والإيلام، ثم قطع السبيل وتدعيم الدليل وتقرير المعنى فيما قدم من مواضع النقد
ثم رد العقاد ليعلن انسحابه من المعركة، شاكرًا للذين أيدوه، متعذرًا عن عدم الاستمرار في مناقشة دعوى الرافعي! واستمر الرافعي يكتب حتى فرغ. . .
وكان النصر للرافعي عند طائفة، ولكنه خسر عطف الآلاف من أصدقاء العقاد الكاتب الوطني الكبير، إذ لم يروا عداوة الرافعي له في الأدب إلا دسيسة سياسية من خصوم العقاد!
وانتهت المعركة الأخير بين الرافعي والعقاد، ولكن الرافعي لم يقتنع بما نال من النصر عند الصفوة من القراء الذين يفرقون بين الأدب والسياسة، إذ كان على يقين أنه وأن كانت له الغلبة، قد خسر اكثر الطائفتين من قراءه لأنهم على مذهب العقاد السياسي، فضل مغيظًا محنقًا إلى حين. . .
ومضت سنتان، وتقلبت السياسة المصرية من تقلباتها، فإذا العقاد الذي كان كاتب الوفد الأول، خارج على الوفد، يطعن عليه وعلى رئيسه؛ وأنصار الوفد ما يزالون إلى يومئذ اكثر الأمة. . . ووجد الرافعي فرصة سانحة لينتقم، وليستخدم السياسة في النيل من خصمه في الأدب، فيكيل له صاعًا بصاع، ويحاربه بمثل سلاحه؛ فكتب مقالًا بغير توقيع في كوكب الشرق، جريدة الوفد، بعنوان: (أحمق الدولة!) وكان مقالا له رنين وصدى. . .
ونشر في (الرسالة) يومئذ كلمات تحت عنوان (كلمة وكليمة) عرض فيها بالعقاد الخارج على الوفد تعريضًا أليمًا يؤذيه، لم ينتبه له إلا القليل
وكان مقاله عن العقاد في كوكب الشرق، وكلماته في الرسالة سببًا في أن يدعوه الأستاذ توفيق ذياب ليحرر في الجهاد بأجر كبير؛ ولكن لم يتم بينهم اتفاق
ولم تكن تسنح للرافعي سانحة لغيظ العقاد إلا انتهزها، فما كتب الرافعي عن شاعر من الشعراء بعد ذلك إلا جعل نصف كلامه تعريضًا لشعر العقاد. وبذلك ما كتب عن الشاعر المهندس علي محمود طه في المقطم، وما نشره عن الشاعر محمود أبو الوفا في الرسالة، ومقالته (بعد شوقي) معروفه لقراء الرسالة عامه؛ وكلها تعريض بشعر العقاد الذي نحله الدكتور طه حسين إمارة الشعر في يوم من الأيام بعد شوقي!