بالمدينة، فوجد فلاحَين نائمين هناك. فسألهما من يكونان وماذا يفعلان في هذا المكان. فقال أحدهما إنه أحضر من إحدى قرى المركز 130 إردبًا من القمح. وقال الآخر إنه أحضر 60 إردبًا من أرض تابعة للمدينة. فقال الحاكم لهذا: (أيها اللص! هذا الرجل يورد 130 إردبًا من قرية صغيرة، وأنت تورد 60 إردبًا من أراضي المدينة؟. فأجاب فلاح طنطا: (هذا الرجل لا يورد القمح إلا مرة واحدة كل أسبوع أما أنا فأورده كل يوم. فأسكته الحاكم وأمر أحد الخدم أن يشنقه على فرع شجرة قريبة. فنفذ الأمر وعاد الحاكم إلى منزله. وفي الصباح التالي عاد ثانيًا إلى الأهراء فبصر برجل ينقل غلالًا كثيرة إلى الداخل. فاستفسر عنه وعن المقدار الذي أتى به. فأجابه الخادم الذي شنق الفلاح في الليلة السابقة:(هذا هو الرجل يا سيدي الذي شنقته إطاعة لأوامرك ليلة أمس وقد أحضر 160 إردبًا) فصاح الحاكم: (ماذا؟ هل بعث الرجل من قبره؟) فأجابه الخادم: (لا يا سيدي. إنني علقته وقدماه كانتا تلمسان الأرض، ولما انصرفت حللت عقدة الحبل. إنك لم تأمرني بقتله) فدمدم التركي قائلًا: (آها! إن الشنق والقتل شيئان مختلفان. إن اللغة العربية غنية. في المرة القادمة سأقول اقتل. اعتن بأبي داود) وهذه هي كنية الرجل
وأذكر حادثة أخرى تناسب المقام زيادة في بيان طبيعة الحكومة التي تحكم المصريين يومئذ: عُين فلاح ناظرًا على المنوفية قبيل قدومي الثاني إلى مصر. وفي أثناء جباية الضرائب طولب فلاح فقير بمبلغ ستين ريالًا؛ والريال تسعون فضة فالمبلغ مائة وخمسة وثلاثون قرشًا فقال الفلاح إنه لا يملك غير بقرة لا تكاد تصلح شأنه وتقيم أوده هو وعائلته. فلم يأمر الناظر بضربه كما هي العادة عندما يمتنع الفلاح عن دفع الضريبة، وإنما بعث بشيخ البلد ليأتي ببقرة الفلاح المسكين، ثم أمر بعض الفلاحين بشرائها. فلم يستطع أحد شراءها لقلة المال. فأرسل الناظر في طلب الجزار وأمره بذبح البقرة وتقطيعها ستين قطعة. وبعد أن دفع إلى الجزار رأس البقرة أجرة له، أحضر ستين فلاحًا معًا وأجبر كلا منهم على شراء قطعة من البقرة بريال. فذهب صاحب البقرة باكيًا شاكيًا إلى محمد بك الدفتردار رئيس الناظر وقال له: (يا سيدي أنا مظلوم بائس. لم أكن أملك غير بقرة واحدة، بقرة حلوب كان لبنها قوتنا أنا وعائلتي، وكانت تحرث لي الأرض وتدرس الغلال. وكانت معيشتي كلها عليها. وقد أخذها الناظر وذبحها وقطعها ستين قطعة باعها إلى جيراني بستين