بل أن الحضارة لم تتقدم وإن المدينة لم تنهض وإن العلوم والمعارف لم تعلُ إلا بفضل الشجاعة
يرى المصلح نظامًا فاسدًا في المجتمع أو رأيًا في السياسة فيشن عليه حربًا شعواء، يظهر عيوبه ومساوئه غير مبال بسخط الساخطين وغضب الناقمين، ويستمر في حربه وجهاده حتى تصبح آماله في الإصلاح حقائق واقعة، فينقذ الأمة من شر وبيل. ويرى العالم جهلًا قد جعل علمًا وعلمًا قد جعل جهلًا فيجهر بما يعتقد. يحارب الجهل ويشايع العلم، فإن لم يكتب له الظفر في حياته كان لفكرته النصر في مستقبل الأجيال.
وبهذا تقدمت العلوم، ونهضت الأم، وارتقت البشرية، وذهبت أوضاع اجتماعية كانت داء وبيلًا، وحل محلها نظم هي خير وأبقى
فإذا رأيتم أممًا ترزح تحت أنظمة فاسدة وعادات بالية فاعلموا أنها لم تعط الشجاعة الأدبية لنقد الفاسد من أنظمتها والباطل من تقاليدها فتختلف حين جد الراكب وسارت القافلة.
على أن قوة نفوس الشعب وغلبه الشجاعة على أبناء الأمة أمر لا يأتي عفوًا، إنما هو نتيجة علم وافر وسياسة عادلة ونظام دقيق وإصلاح عام يتمشى في جميع مرافقها؛ وأول شيء في سبيل ذلك أن يعلم أن النفس الإنسانية إذا استبدلها وأسيء الاحتكام فيها ذلت وضعفت وذهبت منها معاني الرجولة من النشاط والقوة والحزم والعزم والاستقلال الذاتي؛ وإذا رفق بها وعوملت باللين وأحسنت رعايتها عزت وعظمت وكان لها من القوة والعزة والشمم القدر الذي تصلح به وتقدر على إصلاح من معها؛ فإذا علمت الأمة ذلك وراعته وكانت سياستها في الحكم والاجتماع والتربية سياسة رفق ولين في غير ضعف ولا خور اطرد تقدمها ورقيها.
أيها المسلمون:
إذا رأيتم أنفسكم متخلفين عن ركب المدينة فاعلموا أن ذلك منكم وما كان يقدر أن يفعل ذلك بكم أحد سواكم. ملك بعضكم بعضًا ملكة قهر وغلب، واستبد بعضكم ببعض فأفسدتم نفوسكم وجردتموها من معاني العزة والقوة مقومات الحياة الذاتية المثابرة، فضعفت الشجاعة فيكم وضاعت من بين جوانحكم، وإذا فقدت الشجاعة فقد فُقد كل شيء؛ ولو كشف لكم عن حقائق الأمور لرأيتم كل واحد منكم قد أخذ معوله بيده وأخذ يهدم جاهدًا في نفوس الآخرين،