أليس أسامة بعد هذا كله حقيقًا بهذه الثقة الغالية؟ إذن فليمض على بركة الله، ولينتقم لأبيه الشهيد، وليضرب للشباب مثلًا يخلد على الدهر
ودعا النبي أسامة فعقد له اللواء وأوصاه أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم في أرض فلسطين على مقربة من (مُؤتْة) حيث قتل أبوه، وأن ينزل على أعداء الله وأعدائه في عَمَايَة الصبح، وأن يمعن فيهم قتلًا، وأن يحرقهم بالنار، وأن يتم ذلك دَراكًا حتى لا تسبق إلى أعدائه أنباؤه، واستوصاه بالنساء والأطفال خيرًا، وأمر بأن يخرج إلى الجرف - على مقربة من المدينة - حتى يتم جهاز الجيش. . . وخرج أسامة فضرب لواءه بالجرف، وأقام في انتظار أمر الله وأمر الرسول
وإن أسامة لفي ارتقاب أمر المسير، وإن الجيش لفي جهازه وعدته، وإن الناس لفي حديثهم عن إمرة أسامة على شيوخ الإسلام، إذ مرض الرسول عليه الصلاة والسلام مرضه الأخير بعد جهادين طويلين في سبيل الله: جهاد الروح في الرسالة، وجهاد الجسم في الغزوات والحروب. واشتد به المرض حتى لم يقو على مجالسة أصحابه. . . ولكن يشاء الله أن تبلغ همسات الناس في أسامة آذان ذلك الراقد على فراش مرضه، الذي برحت به الحمى حتى عاد يشعر كأن به منها لهبًا، يشاء الله أن يبلغ أذنيه أن الناس يقولون إنه أمَّرَ على جُلَّة المهاجرين والأنصار غلامًا حدثًا. فيعز عليه ذلك ويخشى أن تقع الفتنة في الناس، فيطلب إلى أهل بيته أن يُرِيقوا عليه سبع قرب من آبار شتى حتى يذهب الماء ببعض حرارة الحمة. ثم يعصب رأسه ويتحامل على نفسه ويتساند حتى يبلغ المسجد، فيجلس على المنبر فيحمد الله ويصلي على أصحاب أحد ثم يقول:
(لقد بلغني أن قومًا في إمارة أسامة، ولعمري لئن قالوا في إمارته لقد قالوا في إمارة أبيه من قبله - وإن كان أبوه لخليق بالإمارة - وإنه لخليق لها فأنفذوا بعث أسامة) ثم يقول: (أن عبدًا من عباده خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله) . . . ويدرك أبو بكر والناس ما بهذه العبارة من إيماء فيتأثر الناس ويبكي أبو بكر. . .
ويثقل المرض على المريض بعد ذلك الماء الذي صُبَّ عليه وهو في لهب الحمى، وبعد ذلك الجهد الذي بذله في خطاب الناس فيأمر آبا بكر أن يصلي بالناس، ولا يلبث أيامًا حتى يسلم أنفاسه الطاهرة في حجر عائشة وهو يقول هامسًا: (بل الرفيق الأعلى من الجنة)