بعد شيء من النظر والتفكير، والبحث والتفتيش بانَ لي وجه الحقّ أبيضَ ناصعًا، واهتديتُ إلى فضّ الأغلاق عن مسائلَ عدة كانت من قبلُ منبهمة عليّ، ولستُ أحسبني الآن إلا قد تبينتُها ولله الحمد!
يجب علينا أولَ كلّ شيء أن نعلم أن المبتدأ قسمان، فالأول: مبتدأ له خبر، والثاني: مبتدأ له فاعل سدّ مسدّ الخبر، وينبغي لنا أن نعلم أن القسم الثاني إنما يكون المبتدأ فيه مشتقًا (وصفًا) ، ويشترط فيه أن يرفع فاعلًا بعده، وأن يتقدم نفي أو استفهام عليه على رأي البصريين، وكونه نكرة لا يحتاج إلى مسوغ كالقسم الأول، وأن القسم الأول يكون المبتدأ فيه محكومًا عليه والخبر محكومًا به، وأما القسم الثاني فيكون المبتدأ محكومًا به والخبر محكومًا عليه على العكس من الأول، فإذا ضبطنا هذه الثوابت استيسر لنا أن نبني عليها ونتحاكم إليها!
فإذا جئنا (أكبر الله) وجدنا (أكبر) مشتقًا، محكومًا به، ولكنه لم يرفع فاعلًا بعده، (انظر ضوابط عمل أفعل التفضيل في النحو الوافي / الجزء الثالث / 427) فاختلّ إذًا شرط من شروط كونه من القسم الثاني (وهو المبتدأ الذي له فاعل سد مسد الخبر) فوجب تحويله إلى القسم الأول، ومن المعلوم أن القسم الأول يستلزم تقدم النكرة فيه مسوغًا، فإذا نظرنا في (أكبر الله) وجدنا النكرة (أكبر) تقدمت بلا مسوغ، فلا يصح تقدمها، وعلى هذا تكون جملة (أكبر الله) غير صحيحة خلافًا لما ذكرتُ من قبلُ!
وظهر لي أيضًا أن (أفضل منك أفضل مني) هو من القسم الأول حيث منع أن يكون من القسم الثاني كونُ المبتدأ فيه محكومًا عليه لا به، وأنه لم يرفع فاعلًا بعده، فوجب رده إلى القسم الأول، والقسم الأول لا يُبتدأ فيه بالنكرة إلا إذا أفادت:
ولا يجوز الابتدا بالنكره ما لم تُفد
وهي هنا أفادت، ومسوغ الابتداء بالنكرة (أفضل) هو ـ والله أعلم ـ كونها عاملة، مع العموم الذي فيها!
وأما استشكالي السابق في الإخبار عن (أفضل) حيث ذكرتُ أنه ذات لا يصدق عليه الوصف، فقد ظهر لي بعد نظر وقياس أن (أفضل) وإن كان مشتقًا فإنه يُخبر عنه كما تقول: (الأمير حاضر) و (الأجمل قادم) فلعلّ غرابتها على سمعي جعلتني أنكر الإخبار عنها، فإذًا يحلّ لنا على هذا أن نخبر عن أفعل التفضيل إذا كان نكرة بشرط أن يكون لتقدمه مسوغ كما هو في (أفضل منك أفضل مني) ونحوه!
أما (أجملُ الطفلُ) فإنها ليست من القسم الثاني، من حيث إن الوصف (أجمل) لم يرفع فاعلًا بعده إذ لا يعملُ في مثل هذا الموضع، فوجب رده إلى القسم الأول، والقسم الأول لا يكون المبتدأ فيه نكرة إلا بمسوغ، ولا مسوغ هنا، فتصبح الجملة غير صحيحة ـ والله أعلم ـ!
وأما (فخير نحن ... ) فإن (خير) عمل هاهنا وهو اسم تفضيل، وذلك أن طائفة من العرب يُعملون اسم التفضيل مطلقًا، وهي لغة قليلة، والأكثرون لا يُعملونه إلا في مسألة الكحل، ثم إن (خير) جبر النقص هاهنا، بحيث لو وضعتَ مكانه فعلًا من جنسه لساغ!
وأما (جبار متكبر) وأضرابها، فتحتاج إلى زيادة بيان منك، وفرقْ للمبتدأ عن الخبر!
هذا، ولك أرق شكر وأجمله، وقد استفدت منك كل الاستفادة!
أخوك:
الحجة
ـ [أبو قصي] ــــــــ [01 - 08 - 2004, 05:14 م] ـ
أخي الموقر: حازم ـ أقرّ الله عينَه، وأكرم وفادته ـ
ما أنت ـ يا أخي ـ بتلميذ لنا، بل أنت أستاذنا وأخونا، وتعلّمْ أن إطلالتك الميمونة هذه قد تركتني مسرورًا، وكانت لي كالحادي المستحثّ حتى أستزيدَ علمًا، وأُكثرَ من النظر والمطالعة في بطون الأسفار، وبحقّ فإن المرءَ حين يرى مثلَ قولِك، ويماسّ خلقًا كخلقك فهل تريده أن يكون إلا آمنًا مطمئنًا أنه بين أهله وأصحابه، فتقبّل مني حاقّ الشكر مشفوعًا بصادق الوداد، ولأخي أبي أيمن مثلُ ذلك!
وليكن منك على بال أنا إنما جئنا إلى هذه الروضة الغناء حتى نتعلم ونقوم ألسنتنا، وليس في عيابِنا من العلم إلا نزرٌ قليلٌ!
أخوكم:
الحجة
ـ [أبوأيمن] ــــــــ [02 - 08 - 2004, 01:13 ص] ـ
وَكَمْ منِ جِبَالٍ عَلَتْ شُرُفَاتها&&أنَاسٌ فَمَاتُوا جَميعًا وَالجبَالُ جبَال
أهلا ومرحبا أستاذي الجليل / حازم، شرفتنا بمرورك على هذه الصفحة
(يُتْبَعُ)