أخذه. فالإيتاء بمعنى الإعطاء، والأمر بأخذ المال أمر إباحة، وليس أمرَ إيجاب قطعًا. فلا صلة للآية بقضية التأسّي بالأفعال النبوية.
والتفسير الآخر للآية هو ما قاله ابن جريج من أن معناها: ما آتاكم الرسول من طاعتي فاقبلوه، وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه.
فعلى هذا التفسير، يجاب عن استدلالهم، بأن الإيتاء هنا بمعنى الأمر [1] ، بدليل مقابلته بما بعده [2] {وما نهاكم عنه فانتهوا} وبدليل أن القول يتعدى إلينا، فيكون بمعنى العطية [3] . ومثله قوله تعالى {خذوا ما آتيناكم بقوة} أي افعلوا ما أمرتم به.
ولو سلمنا أن المؤتى يصدق على الأفعال، فذلك لا يدل على وجوب جميع أفعاله - صلى الله عليه وسلم -، بل على اتِّباعها على ما هي عليه من الأحكام.
الدليل التاسع: الإجماع، فقد رُوي عن الصحابة،"أنهم لما اختلفوا في الغسل من الوطء دون إنزال، أرسل عمر إلى عائشة رضي الله عنها فسألها عن ذلك، فقالت: فعلتُه أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واغتسلنا. فأخذ عمر بذلك. وقال: لا أسمع أحدًا قال بعد هذا: الماء من الماء، إلاّ جعلته نكالًا" [4] . وأجمعت الأمة على ذلك بعده.
فكان اكتفاؤهم في إيجاب ذلك بمجرد الفعل، دليلًا على أنهم مجمعون على أن الفعل دليل الوجوب.
وقد أجيب عن ذلك بأجوبة:
1 -إن ذلك فعل بياني وليس فعلًا مجردًا [5] ، والفعل إذا كان بيانًا لواجب
(1) الشوكاني: إرشاد الفحول ص 36
(2) أبو الحسين البصري المعتمد 1/ 381
(3) القاضي عبد الجبار: المغني 17/ 264
(4) الطحاوي في مشكل الآثار بسند فيه ابن لهيعة (وهو ضعيف) وأصل الحديث عند مسلم (الزركشي: الإجابة ص 78) قلت: هو عند الشافعي وأحمد بسياق آخر (انظر كنز العمال 9/ 325) .
(5) العضد على مختصر ابن الحاجب 2/ 24، الصنعاني: هداية العقول 1/ 467