وقال الذين لم يأخذوا برواية أسماء، إنه ليس فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم بذلك وأقره.
وأجاب من أخذوا بروايتها: إنه لا يُظَنّ بآل أبي بكر والزبير أنهم يقدمون على فعل شيء من مثل هذا، إلا وعندهم العلم بجوازه، لشدة اختلاطهم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وآله، وعدم مفارقتهم له. وفي رواية الدارقطني لحديث أسماء:"فأكلنا نحن وأهل بيت رسول الله" [1] .
وقيل إن كل ما نقله الصحابي في معرض الاحتجاج من أفعالهم، فإنه يدل على أنه بلغه - صلى الله عليه وسلم - فأقرّه [2] ، فيكون حجة. قاله بعض الحنابلة، والأول قول الحنفية [3] وهو أصح، لاحتمال أن يكون العمل على ذلك اجتهادًا من الصحابي، بدليل أنه كانوا يفعلون أشياء باجتهادهم.
فتحصّل في قول الصحابي: كنا نفعل وكانوا يفعلون على عهده - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أقوال [4] :
أولها: أنه حجة مطلقًا، لأن ذكره في معرض الحجة يدل على بلوغه.
ثانيها: أنه ليس حجة ما لم ينقل أنه - صلى الله عليه وسلم - علم به فأقره.
ثالثها: التفصيل بين ما يستحيل خفاؤه عليه - صلى الله عليه وسلم - أو يستبعد، فيكون حجة، وبين ما ليس كذلك فلا يكون حجة، وهو الذي رجحناه، والله أعلم.
وهذا وقد يحتج بعض الفقهاء بالأمثلة التي ذكرناها من جهة أخرى، وهي أنها أفعال صحابة [5] ، وفعل الصحابي حجة. وهي مسألة خلافية خارجة عن موضوع هذه الرسالة.
تنبيه: يتضمن هذا الشرط اشتراط عدم الغفلة عن الفعل. فإن الغافل غير عالم، وإن كان حاضرًا.
(1) انظر المغني لابن قدامة 8/ 591 وفتح الباري 9/ 649
(2) ابن تيمية: المسودة ص 298. أبو الحسين البصري: المعتمد 1/ 669
(3) المسودة ص 298
(4) الشوكاني: إرشاد الفحول 61
(5) ابن تيمية: المسودة ص 298