فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 287

زاهدا مع الخلافة، ناطقا بالحق مع قلة المعين، وكثرة الأمراء الظلمة الذين ملّوه وكرهوا محاققته لهم، ونقصه أعطياتهم، وأخذه كثيرا مما في أيديهم مما أخذوه بغير حق، فما زالوا به حتى سقوه السّمّ، فحصلت له الشهادة والسعادة، وعدّ عند أهل العلم من الخلفاء الراشدين، والعلماء العاملين.

عن رجاء بن حيوة قال: ثقل سليمان، ولما مات أجلسته وسندته وهيّأته، ثم خرجت إلى الناس، فقالوا: كيف أصبح أمير المؤمنين؟ قلت:

أصبح ساكنا، فادخلوا سلّموا عليه، وبايعوا بين يديه على ما في العهد، فدخلوا، وقمت عنده، وقلت: إنه يأمركم بالوقوف، ثم أخذت الكتاب من جيبه، وقلت: إن أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا على ما في هذا الكتاب، فبايعوا، وبسطوا أيديهم، فلما فرغوا، قلت: آجركم الله في أمير المؤمنين.

قالوا: فمن؟ ففتحت الكتاب، فإذا فيه: عمر بن عبد العزيز، فتغيرت وجوه بني عبد الملك، فلمّا سمعوا: وبعده يزيد، تراجعوا، وطلب عمر فإذا هو في المسجد، فأتوه، وسلموا عليه بالخلافة فعقر، فلم يستطع النهوض حتى أخذوا بضبعيه، فأصعدوه المنبر، فجلس طويلا لا يتكلم.

فقال رجاء: ألا تقومون إلى أمير المؤمنين فتبايعونه؟! فنهضوا إليه، فمد يده إليهم، فلما مدّ هشام بن عبد الملك يده إليه قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، فقال عمر: نعم، إنّا لله، حين صار يلي هذه الأمة أنا وأنت، ثم قام، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس: إني لست بفارض، ولكني منفّذ، ولست بمبتدع، ولكني متّبع، وإن من حولكم من الأمصار إن أطاعوا كما أطعتم، فأنا واليكم، وإن هم أبوا فلست لكم بوال، ثم نزل.

فأتاه صاحب المراكب، فقال: لا ائتوني بدابتي، ثم كتب إلى عمال الأمصار.

قال رجاء: كنت أظن أنه سيضعف، فلما رأيت صنعه في الكتاب علمت أنه سيقوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت