وعلى كلّ فإن ابن حبيب رحمنا الله تعالى وإياه كان من مشاهير الأخباريين والنسابة ويكفي أنه من تلاميذ ابن الكلبي وراوي بعض كتبه في الأنساب، ومن طبيعته أنه لا يطيل في شرح أي مسألة يتناولها، فهو يكتفي بالإشارة والذكر إلا في القليل النادر كما هو الحال في كتابه = المحبر =، والذي لو شرح أو وضّح لنا ما ورد فيه من معلومات لكان سفرا نفيسا، وهذا الكتاب الذي هو = المحبر = ينم عن غزارة علمه وسعة معرفته بالأنساب، واللغة، والشعر، والأيام، وما أشبه ذلك، ويبين موسوعيته المعرفية التي يندر الوقوف على مثلها.
كنت أود أن أحقق هذا الكتاب في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات من هذا القرن غير أنه حيل بيني وبينه لأسباب إجرائية إلا أنني كلما حاولت حال حائل دون ذلك، ولعل ذلك كان لقدر يعلمه الله تعالى والخيرة فيما اختاره سبحانه.
وكان سبب اعتزامي على تحقيقه في الفترة التي أشرت إليها والتي كانت قبيل نشوب بعض الاضطرابات بين التيار الإسلامي والحكومة في مصر، وكنت أريد آن ذاك أن أبين أن للاغتيالات أسباب مشروعة، وأخرى غير مشروعة.
فالمشروعة منها: تكون بأمر مباشر من الحاكم المسلم ضد شخص غير مسلم يكون له بالغ الضرر على الإسلام أو المسلمين، ولهذا الأمر ضوابطه لدى أهل الحل والعقد وكيفيته والوسائل التي تتبع فيه غير ما يسمى بالغاية تبرر الوسيلة، فالغاية إذا كانت مشروعة فلابد أن تكون الوسيلة مشروعة أيضا.
وأما غير المشروعة منها: فهو ما تقوم به فئة غير معتبرة شرعا ضد شخص ما، وبطريقة الغاية تبرر الوسيلة، وعادة ما أن لا يكون لهذه الفئة ضوابط شرعية معتبرة.
وكان هدفي آن ذاك هو تحذير التيار الإسلامي من مغبة الصدام مع السلطة لعلمي بأن ذلك إنما يحقق أهداف ومآرب غير المسلمين وأعداء الإسلام سواء كانوا من اليهود أو غيرهم، وإذ كنت ألمح في شباب تلك الفترة إخلاصا نادرا كما كنت ألمح أيضا في بعض القيادات هوى وافق ما أراده أعداء الإسلام بالشباب المخلص للخلاص منه مبكرا قبل نضوجه
وحتى لا يكون خطرا عليهم، وإظهار الإسلام بالصورة الدموية أو الوحشية أو الهمجية أو ما إلى ذلك من الأوصاف التي يحلو لهم وصفه بها ومستشهدين بأفعال أبنائه وأهله ومعتقديه والمتمسكين به على وجه الخصوص.